آراءفي الواجهةقالت الصحافة

​نَشاز العالَم يُزعِج هابرماس

كتاب وآراء – قالت الصحافة – أفق

​نَشاز العالَم يُزعِج هابرماس

د. رفيف رضا صيداوي* 

نشرت دوريّة “الكورييه إنترناسيونال” الفرنسيّة في عددها الصادر في 5- 11 تمّوز (يوليو) 2018 – العدد 1444، حواراً أجراه الصحافي الإسباني بورخا Borja Hermoso لجريدة “إلبايس” الإسبانيّة مع الفيلسوف وعالِم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس في منزله في محيط بحيرة ستارنبيرج، على بُعد نحو 50 كلم من مدينة ميونيخ الألمانيّة.

هابرماس المولود في العام 1929 في مدينة دوسولدورف الألمانيّة، وتلميذ الفيلسوف الألماني تيودور أدرنو، يُعتبر من أهمّ منظّري الجيل الثاني لمدرسة فرانكفورت النقديّة. مؤلّفاته ونشاطه اللّذان لا يتوقّفان جعلا منه الفيلسوف الحيّ الأكثر تأثيراً في العالَم.

بدايةً سُئِل هابرماس، صاحب المؤلّفات الكثيرة والمهمّة مثل: “الفضاء العمومي”(1963)، “المَعرفة والمَصلحة”(1968)، “نظريّة الفعل التواصلي” (1981)، “الخِطاب الفلسفي للحداثة” (1988)، عن الكلام الدائر حول تراجُع أو خفوت صورة المثقّف المُلتزِم، وعمّا إذا كان هذا الحُكم صحيحاً، ويشكِّل موضوعاً حصريّاً بين المثقّفين يتداولونه هُم بأنفسهم. فجاء جواب الفيلسوف الألماني كالآتي: ” صورة المثقّف على الطريقة الفرنسيّة، شأن زولا وسارتر أو بورديو تستند إلى وجود فضاء عامّ، لكنّ لهذا الفضاء بنية هشّة تتدهور أو تنتكِس بسرعة. حين نتساءل بحنين أين أصبح المثقّفون، نكون بمحاذاة المشكلة ليس إلّا. لا يُمكن أن يكون هناك مثقّفون مُلتزمون إذا لم يكُن هناك قرّاء تُعرَض عليهم الحجج”. 

وعمّا إذا كان الإنترنت هو الذي أفضى إلى القضاء على الفضاء العامّ وإضعاف تأثير الفلاسفة والمفكّرين، أجاب هابرماس بالإيجاب، معتبراً أنّ صورة المثقّف، بدءاً من هاينرش هاينه Heinrich Heine (1797 – 1856)، اكتست مقامها بفضل الفضاء العامّ بصورته الكلاسيكيّة. في حين تغيّرت البنية التحتيّة لهذا الفضاء، وإنّ حافظت على نفسها في بلدان مثل إسبانيا وفرنسا وألمانيا. ” لكنْ حتّى في هذه البلدان، فإنّ الأثر التفتيتيّ الذي أحدثه الإنترنت غيَّر دَور الميديا الكلاسيكيّة، ولاسيّما في عيون الأجيال الجديدة. ومع ذلك، وقبل أن تبدأ الاتّجاهات النّابِذة والتفتيتيّة للميديا الجديدة بمُمارسة تأثيرها، فإنّ تحلُّل الفضاء العامّ كان قد بدأ مع سَلْعَنَة الاهتمام العمومي. الولايات المتّحدة وهَيمنة التلفزيون الخاصّ فيها لَهو مثالٌ مُرعب عن ذلك.

اليوم، تُمارِس الميديا الجديدة شكلاً من السلْعَنة أكثر خُبثاً، حيث إنّ الهدف يُطاوِل اهتمام المُستهلِكين بشكلٍ مُباشر، لا بل الاستغلال الاقتصادي لملفّات مُستخدمي الإنترنت؛ إذ تتمّ سرقة المُعطيات الخاصّة بالمُستهِلكين من أجل التأثير فيها أو التلاعب بها، ويتمّ ذلك أحياناً حتّى من أجل غايات سياسيّة قليلاً ما يتمّ الاعتراف بها، وذلك كما عَلِمنا للتوّ مع فضيحة الفيسبوك”.

ماذا عن الأمّية الجديدة؟

وعلّق هابرماس عن سؤال الصحيفة عمّا إذا لم يكُن الإنترنت، على الرّغم من كلّ إيجابيّاته، في صدد توليد نوعٍ جديد من الأمّية، بتوجيه النقد إلى “الفقّاعات المصفاة” وأكاذيب دونالد ترامب في تغريداته وغيرها من الأمور المُسيئة للثقافة. يُذكر في هذا الصدد أنّ مفهوم “الفقّاعة” أطلقه الناشط الأميركيEli Pariser ليصف من خلاله فضاء الإنترنت أو الفقّاعة الخاصّة بكلّ مُستخدِم للإنترنت الذي يظنّ أنّه يتشارك مع الملايين في هذا الفضاء الرقمي في الولوج إلى المعلومات، فيما يكون هو، وبحسب نمط السلوك التي يعتمده في الشبكة، والذي ترسمه الأرضيّات البيانيّة لمحرّكات البحث، في صدد الحصول على نتائج مختلفة، كمّاً ونوعاً، عمّا يحصل عليه غيره من الباحثين عن المعلومة نفسها، لأنّه يرى نسخة مختلفة عن نسخة الآخرين، ما يفضي إلى عزلة ثقافيّة لا يعيها هذا المُستخدِم.

ويتابع هابرماس قائلاً: ” عند ظهور الكِتاب المطبوع، كان علينا انتظار قرون لكي يتعلّم العالَم كلّه القراءة. الإنترنت يجعل منّا جميعاً كتّاباً مُحتمَلين، على الرّغم من أنّ عمره لا يتجاوز بضعة عقود. قد نتعلّم مع الوقت استخدام شبكات التواصل الاجتماعي بشكلٍ حضاري”. وهو إذ يذكر بعض مَحاسِن الإنترنت، يعلّق قائلاً: لكن ” ما لا يعجبني، هو اتّجاه أوّل ثورة وسائل إعلاميّة في تاريخ البشريّة لتكون، قبل أيّ شيء، في خدمة أغراض اقتصاديّة وليس ثقافيّة”.

الفلسفة اليوم.. وقيمتها

صحيفة “إلبايس” انتقَلت أيضاً إلى موضوع الفلسفة، طارِحةً على هابرماس السؤال التالي: ” في عالَم اليوم، عالَم التكنولوجيا الفائقة، حيث يُسيطر مَرَض “المعرفة النّافِعة”، ما هي القيمة التي تتمتّع بها الفلسفة، وأيّ مستقبل ينتظرها بخاصّة؟”فأجاب هابرماس” أنا لا زلتُ أشارك وجهة النّظر التي تفيد بأنّه ينبغي على الفلسفة أن تستمرّ في البحث عن جواب على أسئلة الفيلسوف كانتKant: ماذا بإمكاني أن أعرف؟ ماذا ينبغي عليّ أن أفعل؟ بماذا يُسمح لي أن آمل؟ وما هو الإنسان؟ لكنّني لستُ متأكّداً من أنّ الفلسفة كما نعرفها لها مستقبل؛ إذ تتّجه الفلسفة اليوم، أكثر فأكثر، شأن كلّ المعارف، نحو التخصّص. لكنّ هذا طريق هو من دون مَخرج، بمعنى أنّه لا يشكِّل وسيلة للخروج من الوضعيّة المُربِكة، لأنّه ينبغي على الفلسفة أن تُحاوِل شرْح الكلّيّ، ينبغي عليها أن تُسهِم في شرحٍ عقلاني لطريقتنا في فهْم بعضنا بعضاً وأن تحاول فهْم العالَم”.

وعمّا إذا كان هابرماس لا يزال من أنصار اليسار، أجاب الفيلسوف أنّه قضى شطراً من حياته يُناضِل في الجامعات وفي الفضاء العامّ من أجل أفكار يساريّة، لكنّه ” منذ ربع قرن تقريباً، بدأتُ أطالِب باندماجٍ أو تكاملٍ سياسي أوروبي أعمق لأنّني أعتقد أنّ صورة القارّة هذه هي وحدها التي تسمح بالسيطرة على رأسماليّةٍ غدت متوحّشة. لم أتوقّف يوماً عن توجيه النقد إلى الرأسماليّة، لكنّني في الوقت عينه كنتُ واعياً بأنّ التشخيصات السريعة لا تكفي. أنا لستُ من المُثقّفين الذين يُطلقون النار من دون تصويب”.

ولئن أعرب هابرماس عن وطنيّته التي ترجمها بتعلّقه ببلده ألمانيا الذي أنتَج بعد الحرب العالميّة الثانية ديمقراطيّة مستقرّة وثقافة سياسيّة ليبراليّة، فإنّه انتقل إلى التعبير عن اعتزازه بثقافة بلاده هذه التي ” تحتوي أبناء المُهاجرين وأحفادهم الآتين من تركيا وإيران واليونان وغيرها من بلدان العالَم، والذين يوجد من بينهم مخرجون وصحافيّون ومقدّمون تلفزيونيّون ورؤساء شركات استثنائيّون، فضلاً عن أفضل الأطبّاء والكتّاب والسياسيّين والموسيقيّين والأساتذة. وهذا ما يشكِّل برهاناً ملموساً على قوّة التجديد الكامنة في ثقافتنا وقدرتها. أمّا رفْض شعبويّي اليمين هؤلاء الأشخاص، الذين لولاهم لما كان هذا البرهان مُمكناً، فهو هُراء”.

وعمّا إذا كان العالَم يتّجه نحو صِدام الحضارات أجاب هابرماس أنّ هذه الأطروحة ” تبدو لي خاطئة تماماً. فالحضارات القديمة جدّاً والأكثر تأثيراً تتميّز بالماورائيّات والديانات الكبرى التي درسها ماكس فيبر. هذه الحضارات كلّها كان لديها طاقة أو قوّة عالميّة، ولهذا السبب انبنت على قاعدة الانفتاح والشموليّة. الأصوليّة الدينيّة هي ظاهرة حديثة تماماً، وتعود جذورها إلى الاقتلاع الاجتماعي الذي حدث في الماضي، والذي يحدث في الحاضر، من قبل الكولونياليّة، وإزالة الاستعمار، والعَولمة الرأسماليّة”.

وعندما سُئل الفليسوف الألماني عمّا كتبه حول أوروبا وضرورة تشجيعها انطلاق إسلام متنوّر، أشار هابرماس إلى ألمانيا التي تجهد لإدراج التيولوجيا الإسلاميّة في بَرامجها الجامعيّة، إلّا أنّه ركّز على أنّ ذلك “غير كافٍ في حال لم يتمّ التوصّل إلى إدماج العائلات المُهاجرة في ألمانيا، ومُواجَهة مَوجات الهجرة في العالَم(…). والطريقة الوحيدة لمُعالجة تلك المَوجات تكون بالنضال ضدّ الأسباب الاقتصاديّة المسؤولة عن تلك الهجرات في البلدان الأصليّة، أو بلدان المَصدَر”، معتبراً كذلك أنّ هذه الحلول لا يُمكن أن تنجح من دون تغيير السِّيستيم الرأسمالي العالَمي. ثمّ انتقل الحوار إلى أوروبا وإلى ما تعاني منه القارّة اليوم من صعود للشعبويّة والتطرّف وحركات النازيّة الجديدة ومحاولات الاستقلال في إسكتلاندا وكاتالونيا…إلخ، فردَّ هابرماس معظم هذه الظواهر إلى أسباب اقتصاديّة مرتبطة بتبنّي اليورو كعملة موحّدة والذي أدّى إلى تقسيم المجموعة الماليّة إلى شمال وجنوب وإلى رابحين وخاسرين، ومردّ ذلك يعود برأيه إلى أنّ الاختلافات البنيويّة بين المَناطِق الاقتصاديّة لا يُمكنها أن تُعوَّض في حال لم يكُن هناك أيّ تقدّم باتّجاه الوحدة السياسيّة. في حين تغيب صمّامات الأمان أو تلك التي تسمح بالخروج من هذه المآزق، من خلال الحراك في سوق عمل موحَّد أو عبر نظام حماية اجتماعيّة موحَّد.

يُضاف إلى ذلك عدم تمتّع أوروبا بسلطة إنشاء سياسة ماليّة مُشترَكة، فضلاً عن دَور السياسة النيوليبراليّة المُندمِجة في المُعاهدات الأوروبيّة في دعْم تبعيّة الدُّول- الأُمم للسوق العالميّة بشكلٍ أكبر. “معدّل بطالة الشباب في بلدان الجنوب فاضِح. التفاوتات تحفر عميقاً في أوروبا كلّها، بشكلٍ يُمكنه أن يؤدّي إلى تهديد التماسك الاجتماعي فيها”.

أمّا الذين نجحوا في التأقلُم، فقد غلَب لديهم النموذج الاقتصادي اللّيبرالي المُذكّي للمَصلحة الشخصيّة. أمّا الذين يجدون أنفسهم في وضعيّة خطرة، فتتكاثر لديهم المَخاوِف وردّات الفعل الغاضِبة غير العقلانيّة والمُدمِّرة؛ لذا يعلِّق هابرماس قائلاً: ” أنا لا أفهم ماذا يجري؛ ثمّة نشاز يجعلني أيأس”.

*مؤسّسة الفكر العربي

اظهر المزيد

مواضيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: