أخبار وطنيةفي الواجهة

نتائج مؤتمر العدالة والتنمية الثامن، قراءة وتحليل

الإعلامي – الوطني

حربول محمد وائل

 

مرّ المؤتمر الثامن للعدالة والتنمية نهاية الأسبوع الماضي، بالمركب الرياضي المولى عبد الله بالرباط، وتم فيه الإعلان أخيرا، عن اسم سعد الدين العثماني كأمين عام جديد للحزب، بعد زوبعة، دامت منذ إعفاء عبد الإله بن كيران، من طرف الملك في 15 مارس المنصرم، زوبعة خلفت معها مشاكل وانقسامات واضحة، خلال هذه الفترة، وخاصة بعد تولي العثماني لرئاسة الحكومة بدلا من بن كيران، وإشراكه لحزب الاتحاد الاشتراكي، في الأغلبية الحكومية، لتستمر هذه الانقسامات، وتظهر أولى بوادرها مباشرة، بعد الإعلان عن اسم الأمين العام الجديد للحزب.

وقبل الخوض في تفاصيل الانقسامات، التي ظهرت جليا بعد الإعلان عن النتائج، وكانت بمثابة امتداد للانقسامات السابقة، وتحليلها وإظهارها. سنقوم بتقديم نتائج المؤتمر، وسرد أهم المحطات والوقائع التي ميزته، وجعلت منه حقا مؤتمرا استثنائيا.

بالرجوع إلى الكيفية التي تم التحضير فيها لمؤتمر العدالة والتنمية الوطني، والظرفية التي ميزته، كانت جل القراءات والتحليلات، تشير إلى أن كل الأمور قد هُيئت من طرف معظم قادة الحزب، لوضع سعد الدين العثماني قائدا للمصباح، وأمينا عاما له، خصوصا بعد رفض المجلس الوطني مقترح الولاية الثالثة، هذه القراءات كانت صائبة في تقديرها، باعتبار أن السياسة الحزبية المغربية صارت ورقة مكشوفة، لا يصعب تحليلها.

اليوم الأول من المؤتمر الثامن، عرف لأول مرة عدم وجود جلسة افتتاحية، تكون كمدخل عام لما سيحمله المؤتمر. توافد منذ الساعات الأولى من صباح السبت، حوالي 2000مؤتمِر، قادمين من جل مدن المملكة، وبعد شريط فيديو افتتاحي حمل أهم محطات الحزب، أُعطيت الكلمة لعبد الإله بن كيران وسط عاصفة من التصفيق، تحدث خلالها بنبرة هادئة، عن مشاكل الحزب التي عرفها منذ إعفاءه من رئاسة تشكيل الحكومة، راجيا من المؤتمرين إنجاح المؤتمر، وعدم الخوض في قانونية ومشروعية الولاية الثالثة ، هذا التصريح قطع الشك باليقين حول التمديد، وأطفأ عبره نيرانا قبل أن تشتعل، وهدأ عددا من المؤتمرين، الراغبين في بقاء بن كيران لفترة ثالثة غير مسبوقة كأمين عام لحزب المصباح ، كما أخبر الجميع، عبر رسالة مُضمنة، أن هذه الكلمة ليست خطبة وداع، كلمةٌ جعلت القاعة تهتز تحت وابل من التصفيق. ليضيف بلهجة قوية، أنه لو كان يملك الحزب لما تركه لأحد.

 

بعد ذلك، تم قراءة الورقة السياسية على المؤتمرين، ليتعرفوا من خلالها على أهم ما سيحمله المؤتمر، وما ستحمله المرحلة القادمة، ورقةٌ أُطلق عليها إسم توجهات المرحلة. وعند مساء نفس اليوم، بدأت عملية التصويت على أعضاء المجلس الوطني الجديد، عملية التصويت هاته وإعلان نتائجها، أخدت وقتا طويلا، إذ تم الإعلان عن نتائج الأسماء الفائزة حتى صبيحة يوم الأحد، نتائج تصدرها كل من من عبد العزيز أفتاتي، والمقرئ أبو زيد الادريسي، وبلال التليدي، وآمنة ماء العينين.

عند تحليل نتائج التصويت على أعضاء برلمان الحزب، يتضح جليا، أن الأسماء الفائزة كانت كلها داعمة للتمديد لعبد الإله بن كيران، وهي نتائج لها دلالات كبيرة .

بعد انتخابات المجلس الوطني الجديد، تم ترشيح الأسماء التي ستتنافس على مقعد الأمانة العامة للحزب، من طرف أعضاء برلمان الحزب القديم والجديد، الذين وصل عددهم 275 عضوا ، نتائج أسفرت عن ترشيح ثمانية أسماء لقيادة الحزب خلال الأربع سنوات المقبلة .

 

نتائج التصويت، تصدرها سعد الدين العثماني بما نسبته 65 بالمائة من الأصوات، حيث حصل على 180 صوتا، فيما حصل إدريس الأزمي الإدريسي على 110 صوتا، بما يشكل 40 بالمائة من الأصوات ليأتي ثانيا . في حين عبد العزيز العماري حل ثالثا بما نسبته 22 بالمائة من الأصوات (60 صوتا)، وجاء المصطفى الرميد رابعا بما نسبته 17 بالمائة من الأصوات (47)، ويليه عبد العزيز أفتاتي خامسا بما نسبته 16 بالمائة من الأصوات (44).عبد العزبز رباح حل سادسا بما نسبته 15 بالمائة من الأصوات (42)، من بعده جاء جامع المعتصم سابعا بما نسبته 12 بالمائة من الأًصوات (34)، وثامنا سليمان العمراني بما نسبته 12 بالمائة من الأصوات (32).

ومن خلال قراءة متأنية، وتحليل عميق لهذه النتائج ، يتبين أنه كان هناك تصويت عقابي، على الأسماء التي أعلنت علانية معارضتها للولاية الثالثة لعبد الإله بن كيران ،وعلى رأسها كم من مصطفى الرميد وعزيز رباح .

لينحصر السباق بعدها نحو تقلد صفة الأمين العام لحزب المصباح، بين كل من سعد الدين العثماني رئيس الحكومة، وإدريس الأزمي الإدريسي عمدة فاس، بعد انسحاب الأسماء الأخرى التي رُشحت، بمحض ارادتها. لكن ردة فعل المؤتمرين كانت على شكل احتجاجات، عندما أعلن عبد العزيز افتاتي انسحابه على وجه الخصوص .

لتأتي بعد ذلك مرحلة التداول، كما يُطلق عليها داخل حزب العدالة و التنمية، مرحلة حملت إذا، كل من سعد الدين العثماني وإدريس الأزمي الإدريسي، للتنافس على مقعد الأمين العام للحزب الإسلامي، تنافس سيستمر لخمس ساعات محددة من القانون الداخلي للحزب، يُعبر فيها عدد من أعضاء المجلس الوطني عن طرحهم وموقفهم حول كل مرشح، مبرزين عبر تدخل أمام المؤتمرين مميزات وسلبيات كل من المرشَّحين لتولي منصب القيادة، العملية هذه كانت طويلة ومرهقة، إذ تولى 133 متدخلا الكلمة، وذلك في حيز زمني لا يتجاوز الدقيقتان، باعتبارها عملية تنُم عن عمق الديمقراطية داخل الحزب، قبل أن يختار المؤتمرون أمينهم العام الجديد، بعد توضيح خصائص وميزات كل مرشح على الآخر .

التدخلات هذه من طرف أعضاء برلمان الحزب، كان بعضها منتظرا، لقوة ومكانة صاحبها داخل مكونات الحزب، وكذا مدى تأثيره على عموم المؤتمرين.

فكان بالأخص لمرافعة كل من افتاتي وحامي الدين والداودي ويتيم ، صدا أكبر عن البقية، فكل من افتاتي وحامي الدين، دافعوا على الأزمي، واعتبروه مرشحا مثاليا للقيادة، في حين اعتبر كل من الداودي ويتيم، أن سعد الدين العثماني، هو المرشح الذي ينبغي التصويت عليه لقيادة الحزب.

عند صعوده، وخلال طرحه قال أفتاتي، أنه كان سيصوت لسعد الدين العثماني ليتقلد منصب الأمين العام، قبل أن يغير رأيه 180 درجة، وذلك بعد استماعه لعدد من المسوغات والحجج التي جاء بها أنصار العثماني، معتبرا إياها واهية وغير صحيحة . ومن جهته قال حامي الدين خلال مداخلته، أنه يجب التصويت على الأزمي لضخ دماء جديدة في الحزب بقيادة قوية ومتزنة .

وفي الجهة المقابلة لهذين الطرحين، قال الداودي وزير الحكامة في الحكومة الحالية، إن سعد الدين العثماني هو الرجل المناسب للقيادة،  معتبرا أن تولي منصب الأمين العام يجب أن يكون من نصيب شخص معروف لدى عموم المواطنين وهذه الصفة توجد لدى العثماني. في حين وعبر طرحه، قال محمد يتيم وزير الشغل الحالي إن كفة العثماني هي من يجب أن تتولى قيادة الحزب في هذه المرحلة، وذلك لإرسال رسالة واضحة للدولة. وأن رئيس الحكومة، هو من يجب أن يكون أمينا عاما للحزب، ويزاوج بين هاتين المهامتين .

بعد المرافعات، ومرحلة التداول ، جاء الدور على المؤتمرين لاختيار الأمين العام الجديد ، الذي سيقود الحزب خلال المرحلة المقبلة خلفا لعبد الإله بن كيران . وتم اختيار سعد الدين العثماني أمينا عاما جديدا للحزب، بعد حصوله على 1006 صوتا من أصل 1943 صوتا أي بنسبة،  51،8 بالمائة ، مقابل 912 من أصل 1943صوت للأزمي. فيما تم تسجيل 25 تصويت ملغاة.

نتائج تعكس مدى شدة المنافسة التي كانت بين المترشحَين ، باعتبار أن معظم أنصار بن كيران صوتوا على الأزمي، خاصة أن كل من أسامة بنكيران، وسمية بن كيران، كانا مع ترشيح الأزمي للمنصب ، ورغم الموقف الحيادي لبن كيران وعدم تصريحه بأي شيء بخصوص المرشَحين .

 

مباشرة بعد هذه النتيجة صرح، سعد الدين العثماني قائلا: “أنا أمين عام للجميع ولن أسمح لنفسي أن أكون أمينا عاما لفئة دون أخرى”، مردفا “هنيئا لكم وهنيئا لنا بهذا العرس الديمقراطي الذي تابعناه جميعا اليوم”. قبل أن يسلمه بن كيران، هدية كان قد أهاده إياها أعضاء الحزب بداية المؤتمر، ويسلمه وصية عبد الكريم الخطيب بخصوص الحزب .

لينتخب بعدها الأزمي مباشرة، رئيسا لبرلمان الحزب بــ136 صوتا، من مجموع الأصوات التي بلغ عددها 185 صوتا​، بنسبة 73.5 بالمائة من الأصوات. ليخلف سعد الدين العثماني الذي كان يشتغل في نفس المنصب خلال عهد بن كيران. فيما انتُخِب سليمان العمراني نائبا أولا للأمين العام للحزب، ليبقى بذلك في نفس المنصب الذي كان يشتغله، في حين انتُخِب محمد يتيم نائبا ثانيا للأمين العام .

ليُصادق بعدها المجلس الوطني، عن الأسماء التي ستتكون منها الأمانة العامة للحزب ، التي ستقود مرحلة سعد الدين العثماني ، وتشكلت الأمانة العامة من كل من المصطفى الرميد، عزيز رباح، خالد الرحموني، سمية بنخلدون، بسيمة الحقاوي، جميلة المصلي، عبد الصمد الإدريسي وعبد القادر اعمارة.

وتم انتخاب أيضا كل من محمد الطويل، نوفل الناصري، مصطفى الخلفي، عبد العزيز عماري، محسن موفيدي، محمد الحمداوي، ومريمة بوجمعة.

ليسدل الستار على مؤتمر العدالة والتنمية الثامن، المؤتمر الذي كان محط أنظار العديد من المتتبعين للشأن السياسي المغربي، سواء داخل المغرب وخارجه.

وبالرجوع إلى الانقسامات المُشار إليها في بداية المقال، التي بدت واضحة مباشرة بعد الإعلان عن نتائج المؤتمر الاستثنائي، يمكن تحليل وقراءة هذه الانقسامات،باعتبارها امتدادا للمشاكل التي أرّقت الحزب لمدة ثمانية أشهر ، هذه القراءة والتحليل لم تأت من فراغ، أو محض صدفة، بل أتت من خلال ما وقع مباشرة بعد الإعلان عن كل نتائج المؤتمر، إذ يلاحظ منذ الوهلة الأولى عدم وجود إسم بن كيران في اللائحة التي قدمها سعد الدين العثماني المُتضمنة للأسماء التي يريدها في الجهاز التنفيذي للحزب، إضافة لعدم وجود عبد العالي حامي الدين وخالد البوقرعي اللذان دافعا بشدة عن التمديد للولاية الثالثة، هذه خطوة تعتبر إما انتقامية من طرف سعد الدين العثماني، كأنها عقاب مضاد، لكل من تطاول عليه وأبدى عن موقفه ، أو كخطوة احترازية تيمنا بالمثل القائل ” إبعد عن الشر وغني له” .

 

محنة لا يمكننا الجزم بأنها انتهت، أو حتى شارفت على الانتهاء داخل غيابات حزب العدالة والتنمية. فالمؤكد إلى حدود الآن، أن الحزب امتص نوعا ما، الضربة التي كادت أن تقسم ظهره، والمؤكد أكثر هو أن عبد الإله بن كيران، رفقة بعض من مؤيديه ، تراجعوا إلى الوراء ، في خطوة منهم لتحليل ما جرى ،وتمحيص مكامن عطبهم داخل الحزب ، ومراجعة بعض الأخطاء التي وقعوا فيها ، قبل الرجوع بطريقة ستكون مختلفة تماما عن الكيفية التي تعاطى معها رئيس الحكومة السابق والأمين العام السابق، لحزب المصباح .

قراءة وتحليل لهما سوابق تاريخية، لدى هذه الشخصية، فعبد الإله بن كيران، كان قد تلقى العديد من الضربات الموجعة، منذ بدايته العمل السياسي أواخر السبعينات، ضرباتٌ كانت لا تقتله وإنما توقظه ليراجع حساباته جديدا قبل خوض معركة أخرى.

فهل سيستطيع عبد الإله بن كيران العودة أقوى كما كان معتادا؟ أم أنه لن يستطيع تحمل الضربة التي أتته من إخوانه على حين غرة؟

 

الوسوم
اظهر المزيد

مواضيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: