في الواجهةكتاب وآراء

مصطفى غلمان: في سيكولوجية الناقد

في سيكولوجية الناقد

الإعلامي – كتاب وآراء

مصــطفى غَــلْمَـان

إذا كانت المقاصد المبهرة من سيرة النقد المغربي الحديث تتولى بنظامية تقليدانية، تفكيك نصانية الخطاب الشعري، كدائرة مغلقة، منفتحة على العوائل السياسية والتحيزات الشخصانية وايديولوجيات المصالح وكؤوس الراح والترويح، ولا تستشعر دورها الاستراتيجي ومقامها في منظومة الآداب والثقافة ومناصرة قضايا الفكر والإنسان، فإن الشكل الجديد في حياة النقاد المنتفعين، المخالفين للقيم ، الرافضين للتجديد والقراءات الأخرى، سيجدون أنفسهم معزولين ، بل منبوذين ومضطهدين ..إذ الصورة النمطية لقامة الزعيم الأدبي الأبدي سرعان ما تتكسر دون أن تخلف أثرا يذكر ..فالروح النقدية الإصلاحية الجديدة تترك جثث المومياوات مسلوخة عن هويتها، متروكة للغربان، تأكل مما عيف وما استجير بالرمضاء وأطلال الموتى!

وقد ران على سلطة النقد الأدبي نقوف كبير نحو تبئير ركام الاصطلاح النقدي الغربي وتلبيسه جبات بأثواب سابغة تروي سيرورتها بآلات غير الآلات، ورؤى دلالية غير ما تنهض به المدارة النصية العربية، فتعللت هذه السلطة الوهمية بميسم الدفاع عن الخط الحداثي، والتنوير الابتداعي المتدحرج صوب نمطية تغريبية لا تنصت للذات، ولا تستحضر قيم الهوية الأدبية وارتقائها درجات التمكين والتفوق، كما هو الشأن بالنسبة للعلوم الاجتماعية والفلسفية والتاريخية.

وقد أثرت هذه التقسيمة الإغرائية على مسار وعمل نقادنا الأدبيين، وجعلتهم بمنأى عن التحصينات الهوياتية في مجالات السوسيولوجيا والبيوطيقا، بالنظر لتفسيرات الأعمال الفردية، تأكيدا لنظرية ياكوبسون عن أدبية الأدب، وفلسفة تكامل المعارف الإنسانية بحسب تودوروف.

ويمكن هنا تداول الإفرازات الفردية لتقييم الأعمال الأدبية، من منطلق تحديد دوافع الاختيارات الشخصية للناقد الأدبي، ومستويات تفاعلاته النفسية قبل الإبداعية، وتمظهرات هذه التحولات في الحفاظ على قوة العلاقة البينية التي تجمعه مع صاحب النص.

يتحدث السوسيولوجيون عن سيكولوجية الناقد، وعن فكرانية النقد، ويستنتجون تراكم الدهون النقدية على نماذج فرخت أصصا لزوايا التنظير الأدبي، وهي أبعد من الأنموذجية النصية التداولية.
ويقطع المنتقدون لظاهرة التفريخ العشوائي بحتمية استرجاع العقل النقدي وتحريره من قوارض الأزمنة ورضوض الفوضى التي لازمته.
لا يهم انتقاص معنى النقد في دائرة تجتاز لغة الأبيض والأسود، دون صوغ نظرية نقدية مغربية تلتئم تحت جناحي بنيات النص ومكنوناته ودراسة المجتمع الثقافي وأنظمته. كما منهجيات أخرى أنثروبولوجية ومعرفية خاصة بدراسة العلاقات بين المكونات سواء كانت مكونات أدبية نصية أو مكونات اجتماعية وسيكولوجية، هي أساس نظريات ما بعد الحداثة.

إن غياب أية نظامية في تأسيس الفكرة النقدية للأعمال الإبداعية تسبقها حالات قهرية سيكونفسانية تتداعى أمام سلوكات التلقي واستراتيجية التفكيك التي تقرها أغلب الدراسات النقدية الغربية، خصوصا منها البنيوية الأدبية، التي هي شكل من أشكال النقد الحداثي.

ومن ثمة يمكن التأكيد على تفوق النموذج اللغوي للعلاقات التي أنتجتها ظروف التزاوج النقدي والنظام القيمي المستهلك، فغدا الارتباط السيكولوجي نظاما وترتيبا جزء من مساحة الكتابة والتأويل وفارقا في احتجاز المادة المنتقدة واحتواء للموقف العلمي المطبوع بالعقل الجامد والأسر الزائد للأفكار والاستنتاجات.

قليلة هي الدراسات التي سلطت الأضواء على جوانب معتمة من صورة جسم النص الأدبي، ومقابلاته السيكولوجية والموضوعاتية، ولكن الأقرب إلى تلك الصورة الحارقة والمنطوية على ذاتها، هي صورة ميخائيل باختين التي يفرزها من الداخل كمخلوق مشوه داخل متاهة مفتوحة، حيث وحش الأسطورة يلتهم ضحاياه البشريون، وهو غائب حاضر وحاضر غائب.

إن تأويل هذه العلاقة الجدلية بين صورة النص وانعكاساته وتحولاته على الأشياء البديلة ينتج حتمية نقدية خارج صراعات النقد المرحلي. نقد يعادل في أهميته صفة الإثارة والتحول من فعل تفكيكي إلى فرضية مهيمنة على أطراف النص، من أجل إشباع احتياجاته المتماثلة والمقيدة بمنطق التخطيط والتنظيم المجرد.

إن التفسيرات المنعزلة عن تحديد مظاهر الحالات التي يعيشها الناقد الحديث بإزاء تأويلاته السيكولوجية وأبعاد انخراطه في ما قيل إنه تعبير عن نهاية النص ذاته، أو إلغاء لوجود وكينونة النص عامة، يمكن أن تفتح جسرا لعبور العديد من أفكار التقهقر والانحطاط قائم على تقويض علاقتنا بالقراءات المتعددة والشاردة للمدارس النقدية الحديثة وما أفرزته من تيارات جديدة توصف بما بعد الحداثة، في دلالة واضحة لنهاية العقل النقدي العربي، وانفصامه عن تحولات بنى وأنساق التحولات الهوياتية والثقافية التي عرفتها صيرورات وقطيعات الأنظمة الإمبريالية الجديدة التي تجعل الهيمنة الثقافية والتكنولوجية ضمن مخططاتها الكبرى وأولوياتها لاستعباد البشرية وفرض قيم العولمة وتأليه الآلة .

قبل الختم:

النقاد المغاربة نقارون، ينقشون الرُكَب واللَجم، ويستنكفون عن العدل بين الشعراء، يدارون حقيقة بعضهم، ويخدعون .. فمنهم الرديء يرفعونه، ودونه ينظرون ..
والحالة تلك كثيرة وغالبة ..
ويحدثونك عن العدل والإنصاف، وهم عن ذلك ساهون؟!

Ghalmanepresse@gmail.com *

https://www.facebook.com/ghalmane.mustapha

اظهر المزيد

صابر جهاد

صحافي محرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواضيع

إغلاق