الرياضيفي الواجهة

في بلادي ظلموني.. إلتراس الرجاء يتغنّى بمعاناة وآمال شباب المغرب

عبد الرحمن خيزران

في بلادي ظلموني.. إلتراس الرجاء يتغنّى بمعاناة وآمال شباب المغرب

الرياضي

عبد الرحمن خيزران

كالنار تسري في الهشيم، انتشر شعار جمهور فريق الرجاء البيضاوي لكرة القدم “في بلادي ظلموني”، يتغنى به الجميع ويمتدحون معانيه وكلماته ولحنه في المغرب وخارجه، في الرياضة كما في السياسة والاجتماع، حاملا معه معاناة واحتجاج جيل من الشباب، وهو ما رأى فيه خبير “بروز شكل من أشكال المقاومة المدنية في المجتمع المغربي”.

وقد باتت لحظة رفع الشعار بمثابة “فاكهة المباراة”، واجتذبت جمهورا إضافيا إلى الملعب، وأصبحت لحظات ترديده تتسم بالكثير من العاطفة والحماسة كما حصل أمس الأحد 25 نونبر، حين تغنّى الجمهور بقوة بأغنيته الأخاذة بمناسبة نهائي كأس الكونفدرالية الإفريقية بين فريقي الرجاء البيضاوي وفيتا كلوب الكونكولي.
ويفتتح الشعار/الظاهرة بترديد الجمهور الرياضي “الشكوى للرب العالي.. غير هو لي في بالي.. في هاد البلاد عايشين في غمامة.. طالبين السلامة.. انصرنا يا مولانا.. صرفوا علينا حشيش كتامة.. خلونا كاليتامى.. نتحاسبو في القيامة”. ومن المقاطع المؤثرة في كلمات الشعار “المواهب ضيعتوها.. بالدوخة هرستوها.. كيف بغيتو تشوفوها.. فلوس البلاد كع كليتوها.. للبراني عطيتوها.. الجينارسون قمعتوها”.

واللافت أن الشعار تجاوز فيه “ألتراس” الفريق الأخضر ما هو رياضي إلى خطاب اجتماعي سياسي صريح يستنكر واقع الشباب ويتهم المسؤولين، كما أن المتير تجاوز الأغنية الحزينة فضاءات الرياضة وأسوار الوطن إلى سماع صدى لحنها في الكثير من البرامج السياسية والثقافية والشبابية في العالم العربي، بل وحتى في احتجاجات المغاربة في بلدان المهجر.

شباب واع يبث همومه
موقع “الإعلامي” استجوب عددا من الشباب، وهم في طريقهم، عشية أمس الأحد، إلى مركب محمد الخامس لحضور المباراة وترديد الشعار، حيث أجمعوا على أن الشعار يختصر مطالبهم الاجتماعية ويكشف عن معاناتهم الحياتية، وأصبح يشكل مرجعية لهم باعتبارهم جمهورا رياضيا، وليس سياسيا، محبا للكرة التي يقدمها فريقهم.
وهكذا اعتبر علي بادي، وهو شاب في الـ22 من عمره يقطن في الحي المحمدي، أن هذا الشعار “يختصر كل شيء ويقول كل شيء، فهو بمثابة رسالة تبث شكوانا من الواقع المسدود ومن المستقبل غير الواضح”، وشدّد على أنهم حين يرددون الشعار “نشعر برهبة وقشعريرة تنتاب الجميع لأننا صادقون في كلامنا”.

التقط طرف الحديث صديقه أنس، الذي يكبره بسبع سنين، وقال “أنا مشجع لفريق الرجاء منذ أن وعيت، ولكني أيضا شاب مغربي أعيش هموم عائلتي وعموم المغاربة، فأنا معطل لم أستكمل دراستي لأسباب اجتماعية ولا عمل لي اليوم ولا أرى حلا. وجدت فعلا أن هذا النشيد يعبر عني وعن الكثيرين مثلي”. منهيا كلامه “الفلاس تهربات والشباب ضاعت”، قبل أن يطالب الجهات المسؤولة بإيجاد حل للشباب عوض تركهم لمصيرهم المجهول.

جمهور الرجاء

وفي زقاق آخر، في منطقة درب السلطان هذه المرة، المعروف بعشق شبابه لفريق الرجاء الرياضي، ووسط أجواء هي أشبه بالاستعداد لعرس شعبي متوشح باللون الأخضر، سألنا ادريس المزابي، وهو رجل تعليم في الخمسينات من عمر، عن سر هذا الشعار الذي أصبح يجلب الشباب أكثر وأضحى له كل هذا الصيت، فقال وهو يحيط عنق صغيره بشال أخضر استعداد للتوجه إلى الملعب “إنه باختصار تعبير صادق عن المعاناة وتحديد لمسؤولية السلطة إزاء الاختناق الذي يعيشه الشباب”، مذكرا أن “جمهور الرجاء ليس حزبا سياسيا بل عبارة عن مواطنين وشباب يطمحون إلى الأفضل في حياتهم ووطنهم، فلما استعصى أمامهم الواقع بثوا شكواهم في هذا الشعار”.

توتر مع الوسطاء التقليديين

زكرياء أكضيض، باحث في علم الاجتماع

حملنا هذا الشعار، وما أحدثه من رجة قوية في الأوساط الشعبية والسياسية، إلى الباحث في علم الاجتماع زكرياء أكضيض الذي رأى أن هذه الدينامية التي تعرفها مجموعات تشجيع الفرق “لا يمكن فهمها دون استدعاء وضعية الشباب في المجتمع المغربي الذي أصبحت تربطه علاقة متوترة مع مختلف الوسطاء التقليدين الذين كانوا يشرفون على تأطير الفعل الشبابي، سواء كانوا أحزابا أو جمعيات أو هيئات أخرى”، هذا التوتر نتج عنه بحسب أكضيض “ملء مجموعات التشجيع (ultras)للفراغات الاجتماعية التي تركها الوسطاء، واتساع قاعدة مناصريهم في صفوف الشباب، واستدماج الخطاب الرياضي لحمولة سياسية، امتصت شحنة التوتر التي يحملها الوعي الشبابي تجاه سلطة الدولة”.

وبخصوص شعار “في بلادي ظلموني”، رأى الباحث في مركز مدى الدراسات والأبحاث الاجتماعية-مدى أنه “نموذج من الخطاب الذي أصبحت الإلترات تسوقه عن نفسها، وهي على شاكلة أغنية حزينة يتم ترديدها بشكل جماعي، بحيث تقوي في صفوف الأنصار الانتماء لهوية مشتركة، يدمج من خلالها الأنصار تناقضات اليومي ضمن إيديولوجيا مناصرة فريق الرجاء”.

مقاومة مدنية
ومضى أكضيض، المتخصص في علم الاجتماع، في استنطاق دلالات هذا الشعار وأمثاله بقوله “تصريف التناقضات الاجتماعية على مستوى خطاب الإلترات، دلالة واضحة على بروز شكل من أشكال المقاومة المدنية في المجتمع المغربي، وهي عبارة عن فعل جماعي مقصود، يختفي خلف التشجيع الرياضي”.
خاتما بتنبيهه إلى السؤال الذي يطرح على هذا الفعل الجماعي وهو “قدرته على ضمان استقلاليته تجاه التجاذبات السياسية، وتجنب احتوائه الرسمي حتى يحافظ على عفوية تعبيره عن وضعية الشباب المغربي”.
هذا ويذكر أن استدعاء ما هو سياسي إلى ملاعب كرة القدم أضحى ظاهرة جديدة، تقلق السلطة وتسترعي اهتمام الباحثين والفاعلين السياسيين على السواء، فعدد من مجموعات تشجيع الفرق الكروية المغربية (الإلترات) أصبحت تعبر عن آرائها اتجاه الواقع السياسي والاجتماعي في شعاراتها وأهازيجها التي يرددها الجمهور في مدرجات الملاعب وفي الأحياء والأزقة، ومن الشعارات الأخرى التي تم تداولها خلال الأشهر الأخيرة شعار إلتراس الوداد البيضاوي “أجي نكلاشي الحكومة”، وشعار إلتراس النادي القنيطري “الشعب مقهور”.

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

صابر جهاد

صحافي محرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواضيع

إغلاق