المجتمعيكتاب وآراء

بن لحمام بوجمعة: عندما يستبعد الفــقـراء

من عين السبع إلى سيدي حجاج

عندما يستبعد الفــقـراء

من عين السبع إلى سيدي حجاج

الإعلامي – كتاب وآراءالمجتمعي

الدكتور بن لحمام بوجمعة

لقد طال ترددي حيال هذه المقالة أن يخط القلم كلمات تضيع سدى في سديم الصمت والتجاهل ؛ فإن سلاحا لم يستخدم بدأب عجيب كما استخدم هذا السلاح في وجه من يرفعون مطالبهم إلى المسؤولين في هذا البلد. ولست أخفي أني قطعت عهدا ألا أعود لخوض تجربة مماثلة بعدما كان من مقالاتي العديدة حول دكاترة التربية الوطنية ، والتي نشرت بغير واحدة من الجرائد الورقية والإلكترونية على مدى سنوات العقد الجاري ، وإلى وقت قريب من هذا العام..

بيد أن شيئا كان أقوى من قراري ، هذه المرة ، فجعلني أعود عنه. ولعل صلتي بقضية هذه المقالة – ملف دواوير عين السبع وخاصة الريكي واحسيبو والجديد – أن تنطوي على ما يمكنه حتما أن يفسر هذا الأمر ؛ فأنا ابن واحد من هذه “الدواوير” ، ولدت ونشأت به حتى شارف بي العمر نهاية عقدي الثالث. وحتى عندما انتقلت الأسرة لم يكن مسكننا الجديد في موقع بعيد ، فكنت أنظر من نافذته المقابلة فيحتوي بصري كل هذه الخريطة من المساكن الصفيحية المتناثرة في عشوائية وإهمال  وغموض ؛ كأنما تخلفت عن حقبة ما قبل الحضارة ، ثم أرتد عنها وقد شملني شعور ممض من الحنين والألم والأسى. هكذا ، على الأرجح ، هي هذه الفترة من سني حياتي الأولى ، بوقائعها وأحداثها عميقة الأثر ، تجعل نداء الجيرة الأولى فوق كل نداء. بل إني لأشعر بنوع واجب لا يسع المرء ، مهما تكن صرامته حيال وعوده وقراراته ، إلا أن يجعله شيئا مقدما لا يتجاوزه شيء مهما يكن.

*    *     *

ولعل السياق التاريخي ، في ارتباطه بمفاصل أساسية في القضية ، أن يشكل المدخل الأنسب في الحديث عنها بداية ، قبل مباشرة تطوراتها الراهنة. تقطع شواهد عدة أن بدايات نشوء هذه التجمعات السكنية ، في المنطقة ، كانت قبل ما يزيد على القرن وربع القرن ؛ وذلك من خلال آحاد من البيوت متناثرة هنا وهناك. وهي ، اجتماعيا ، تتصل – شأنها شأن تجمعات عديدة عرفتها مناطق عدة على طول البلاد وعرضها – بما كان يحدث من انتقالات لأفراد وأسر ، وجماعات بشرية كاملة أحيانا ، من البوادي إلى الحواضر ؛ وهو ما يصطلح عليه بالهجرة القروية.

إن معطى ذا أهمية يجب أن لا يفوتنا هنا ؛ وهو هذا الامتداد الزمني المتطاول لهذه الحالة الاجتماعية دون أن تشهد تغييرات ما ، تتصل سواء بمقتضيات القانون ، أو تطورات العمارة ، أو مشاريع التنمية ، أو غيرها. فهل كانت هذه حالة طبيعية أن يمتد وجود هذه التجمعات ، معزولة في وطنها فلا هو يعرفها ولا هي تعرفه ؟!! بل لعل الصورة أن تكون ، في واقعها ، أسوأ إذا استحضرنا أجيالا متعاقبة تهدر دون أبسط الحقوق التي يمنحها وطن لأبنائه ؛ فتتبدد حيواتها رخيصة بلا آمال أو طموحات أو كرامة في المسكن والوجود. وهذا جيل أخير ، مع بقايا الجيل قبله ، يجد نفسه اليوم في ظروف أشد سوءا ، لا يملك من أسباب الحياة الكريمة ، والتي تزدهر آثارها من حوله في العمران والثقافة والفن والتعليم والإعلام ، أي سبب يمده نحوها ؛ بل يلفي فحسب محيطا يقهره بالفقر والأمراض والجهل والاستبعاد الاجتماعي والسياسي. وأما سؤال المسؤولية فتبرأ ساحة هذه الفئة منه على كل حال ؛ بل الأحرى أنها كانت ، على مدى هذه الفترة الطويلة الممتدة ، ضحية لعدد من السياسيين الفاسدين الذين عبثوا بمقدراتها وسوقوا لها أوهام التغيير كلما كانت تحل الانتخابات ، وخاصة نقلها إلى سكن أفضل (التحوال). فمن يحاسب هؤلاء على جرائمهم في حق هذه الفئة المقصية ، التي لم تكن تعرف تماما حقوقها ، ولا كيف تدافع عن نفسها في وجه من يخلون بمسؤولياتهم السياسية تجاهها.

*    *     *

واليوم طفا ملف هذه “الدواوير” إلى سطح الأحداث ضمن سياسة الدولة الرسمية للقضاء على دور الصفيح والتي تمضي على قدم وساق في الآونة الأخيرة ، لكنه طفا يحمل الآلام والمآسي بدل البشارات والفرح. وتخوض الساكنة في هذه المناطق ، منذ ما يزيد على العامين ، نضالات وأشكالا احتجاجية زادت وثيرتها اشتدادا في الأشهر الأخيرة ، رافعة جملة مطالب على رأسها مطلبان أساسيان هما إعادة الهيكلة داخل تراب عمالة عين السبع ، وتسليم السكن البديل قبل هدم هذه الدور وإخراج أهلها. وإذا كان الإنصاف يفرض القول ، إن برنامج الدولة وسياستها في القضاء على دور الصفيح ، هو من حيث المبدأ ، قرار سديد ، ينم عن التزام سياسي تجاه فئة من المواطنين تعجز ، بضعف إمكانياتها وقلة حيلتها ، عن امتلاك سكن يضمن كرامتها ، فإن أحدا ، في الآن ذاته ، لا يختلف أن هذه الخطة السياسية ، من ناحية ، قد تأخرت عن موعدها المفترض كثيرا حتى ضاعت أجيال وأجيال. ومن ناحية أخرى ، فإنه عندما شرع في تنفيذها على أرض الواقع ، شابتها اختلالات وخروقات قانونية ومسطرية جعلت الساكنة تستقبلها كأنها نذير شؤم بالتشرد والضياع.

وكأنما كان موقف الساكنة يستشعر خطرا داهما فقد كانت تتوجس من يوم تقدم السلطة على إخلائها دون أن تستجيب لملفها المطلبي ، وخاصة إيواءها ، سواء بطريقة نهائية ، أو مرحليا في انتظار الانتهاء من المشروع السكني البديل. لكن ولسوء الحظ تحمل التطورات الأخيرة أن ما كان يخشى منه هو ما وقع بالضبط ، بل وعلى أسوأ صورة يمكن تخيلها. فدون أن تأبه لاقتضاءات الدستور والقانون أو ما توجبه حقوق الإنسان ، تقوم السلطات بأكبر حملة إخلاء لهذه “الدواوير” وأكثرها عنفا وترويعا. وستظل الذاكرة الجمعية للساكنة تحمل صورا لأقسى مشاهد الرعب والألم ، التي حملها فجر التاسع عشر من شتنبر 2018 ، ولما تتلاش خيوط الظلام بعد. كانت عشرات من سيارات الدولة المحملة بالبوليس ووحدات من العسكر وأفراد من كبار الأمنيين ، قد حلت بالمنطقة فطوقتها من كل جانب ؛ وكأنما ستدخل في حرب حقيقية/حاسمة  ، وفي الأثناء ، أخذت جرافات مرافقة ، كأنها وحوش حرب هائلة ، تهوي برؤوسها الحديدية على أسطح البيوت وجدرانها..

وأوحى الدمار المتخلف سريعا أن الساكنة تواجه بأسا شديدا سيطوي تاريخها بلا رحمة. وبكى الجميع  هذه المشاهد القاسية التي تعصف بماضي فئة من المواطنين المقصيين ، بما يحمل من ذكريات وأحلام ومهج دون أن تقيم وزنا لشيء بكى الجميع ، وحتى الرجال بكوا. ولم يستغرق محو هذه الدواوير عن الوجود أكثر من يوم ونصف اليوم.

*    *     *

ولعل ما هو أكثر مأساوية هو ما ترتب عن قرار السلطات أن تخلي هذه “الدواوير” دون أن تتحمل أي تكاليف إضافية حتى أوان إيواء الساكنة بالمشروع البديل. وأحسب أن هذا خطأ فادحا اتخذ بعيدا عن أية اعتبارات إنسانية أو أخلاقية أو دينية أو قانونية. لقد حمل هذا القرار الجنوني تشريدا ، بالمعنى الحرفي للكلمة ، لمئات من الناس ، فيهم المرضى والعجائز والحوامل والصغار والنساء.

إن هؤلاء ، الآن ، يستقرون في العراء بلا مأوى ؛ في أبشع صور الإهانة لمواطنين كانوا محفوظي الكرامة ، مشمولين بستر بيوت –على هوانها- تحفظ أعراضهم ، وتحول دون امتهانهم بألوان المعاناة والضياع في ظروف لاإنسانية.

ولعلنا أن نشدد مرة ثانية على أن ما ارتكب في حق الأهالي في هذه “الدواوير” هو شكل من الظلم والاعتداء والانتهاك ، لا يقدم عليه غير مسؤولين نزعت من قلوبهم كل رحمة تمليها الإنسانية أو يفرضها الدين ، وهم من جهة أخرى ،  يتحدون قوانين البلد وكأنهم فوقها. ويعجب المرء كيف أن كل الجهات التي يفترض وقوفها في مثل هذه الملفات ، من أحزاب وجمعيات وإعلام وما في قبيلها ، لا يسمع لها في الحالة صوت أو يصدر عنها موقف. وإذا خصصنا الإعلام الرسمي بالكلام ، فيمكن القول إنه يتخذ موقفا متواطئا بسكوته عما يقع وكأنه لا يقع ؛ والحال أن ما يحدث هو قضية إنسانية تهم الوطن لا يسع أي طرف تجاهلها. لقد ظلم هؤلاء الناس منذ أن وجدوا بهذه الدور الصفيحية ، وأيضا طيلة الفترة التي قطنوا بها ، ويظلمون اليوم أنهم هجروا بهذه الطريقة اللاإنسانية وتركوا للعراء والتشرد  دون رحيم من أي جهة من الجهات. إنه يجب مراعاة حقوق الناس على كل حال ؛ وكرامة الإنسان أولى من سكن يأتي بالإهانة ، بل وأي جرم في أن يطالب الناس بحقوقهم في دولتهم ؟ إنه لو كان الأمر يتعلق بفئة من الطبقة الغنية والمتنفذة بالبلد لكان الأمر مختلفا ، ولروعيت بما لا مزيد عليه من الرعاية وضمان حقوقها. وكذلك ، فلو كان مثل هذا الإخلاء يقع في بلد آخر لما عومل الناس مثل هذه المعاملة مطلقا. فأي أمر يقع في بلدنا يجعلنا نختلف عن كل بلاد العالم ، فنجنح ، في كل مرة ، إلى الظلم والإقصاء والقمع والحيف حيال مواطنينا ؟ !! وأساسا ، هل بات الفقراء من أبناء الشعب عبئا على مسؤولي وأغنياء البلد فلم يعودوا يطيقون وجودهم أو تحمل المسؤولية تجاههم ؟ !! وعموما  فإن المنطق الثاوي خلف إجلاء هؤلاء إلى الأطراف الهامشية لمدينة الدار البيضاء (سيدي حجاج..) هو منطق واضح كل الوضوح ؛ فهذه فئة لا قيمة لها في حاضر المنطقة ولا في مستقبلها ، مثلما لم تكن لها قيمة في الماضي ؛ ولذلك فهي غير جديرة باحتلال أي شبر من أرض المنطقة التي تمنح الآن للأجانب…

*    *     *

وبخصوص  ما يحدث الآن وتتناقله وسائل التواصل الاجتماعي من فيديوهات مؤلمة لظروف مبيت هؤلاء الأهالي في العراء فنتساءل : ماذا كان يضير المسؤولين لو سعوا إلى توفير سكن مؤقت ، ولو خياما ، على الأقل ، أو السكن البديل ، لهؤلاء الفقراء الذين لا يملك معظمهم قوت يومه ، ناهيك عما يرزحون تحته من أمراض ومشاكل اجتماعية ، بدل دفعهم إلى ويلات الكراء وهم لا يقدرون عليه بحال ؟ هل كان مثل هذا القرار شيئا  تعجز عنه السلطات حقا ؟ أم أن مسؤولينا آثروا قهر هؤلاء البؤساء والانتقام منهم ، لأنهم ناضلوا فترة من أجل حقوقهم ومطالبهم المشروعة ؟ إنه يخيل إلينا ، كما تقطع شواهد عدة ، أننا نعيش في دولة تعتبر أفراد شعبها – باستثناء الأغنياء – أعداء يجب قهرهم وسحقهم والتغلب عليهم ، قبل أن تعتبرهم مواطنين جديرين بكل إكرام وجميل عناية ، والمغاربة هم كذلك حقا من أطيب الشعوب وأكثرها مواطنة.

وفي الختام ، فإن تطورات الموقف في آخر أطوارها ، تكشف عن تعنت السلطات ورفضها لكل ما يمكن أن يشكل تنازلا وتزحزحا عن موقفها المبدئي في عدم الخضوع لمطالب الساكنة ، التي لا تتوقف من جهتها عن النضال والمطالبة بحقوقها بكل وسيلة ممكنة رغم ما أثخن جسدها من جراح التشرد والقهر والجوع والمبيت بالعراء. وزار السيد العامل الساكنة في معتصمها بعد ما يقارب الأسبوعين على إخلائها. ولعله وقف على فظاعة المشاهد هناك وعلى حقيقة شقاء هؤلاء الناس في هذا الوضع الذي يدين كل المجتمع ، وخاصة المسؤولين فيه ، أن يوجد بينهم من يقهر ويعتدى عليه بهذه الطريقة اللاإنسانية ، دون أن يسارع أحد ويبادر إلى وقف ما يجري من مأساة لا تصدق.

وأما “الاستفادة” فلم تعد غير حلم ، كان جميلا في فترة ما من الماضي ، وقد يتحقق في الآتي يوما ما ؛ لكن ليس قبل أن يضيع دونه كثيرون..

اظهر المزيد

صابر جهاد

صحافي محرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواضيع

إغلاق