آراءفي الواجهة

طلحة جبريل: نحن نشوي القراح

نحن نشوي القراح

الإعلامي – تدوينات مختارة

تلقيت خبراً ليس ساراً بسبب “الفوضى غير الخلاقة” السائدة في الإنترنيت.

هذه الفوضى أدت إلى صدور “كتاب” لم أصدره. كنت قد كتبت منذ سنوات مقالات في إحدى الصحف العربية عبارة عن بورتريهات لشخصيات التقيتهم في ظروف متباينة، وكان أن بادرت جهة ما لا أعرفها بتجميع المقالات واختارت لها غلافاً ونشرتها في كتاب.. هكذا ببساطة.

تلقيت اتصالا من يسأل عن هذا الكتاب، وكان جوابي له، إنني لم أصدر كتاباً خلال السنة الماضية، وإن كنت آمل أن يحدث ذلك خلال أسابيع مقبلة، إذ توقفت عن الكتابة العميقة بسبب وعكة صحية تحول بيني وبين الجلوس لفترة طويلة أمام الحاسوب. كنت مضطراً للتوقف. كان خياراً صعباً.

ما أصعب القرار، ما أضيق الدنيا عندما تجد أنك لا تستطيع أن تكتب. ليس لأنك لا تريد لكن لأن ما ترغب في كتابته يتطلب وقتاً وتركيزاً.

منذ أن امتهنت هذه المهنة، كنت وما زلت أعتقد أن الكتابة مسؤولية، والصحافة هي لا شيء عدا تدفق المعلومات التي لا يرقى إليها الشك. لذلك أقول دائماً إن الكتابة وقطعاً الصحافة هي وسيلة تنوير لا يمكن أن تتحوَّل بأيدينا إلى وسيلة تعتيم.

ثم أني عادة لا أحبذ لغة “التوضيح والنفي” حتى لو تعلق الأمر بالتزوير.

إذ أن تجميع مقالات وإصدارها باسم من كتبها دون إشعاره أو موافقته، لا أجد لها وصفاً.

لعلي لا أتجاوز إذا قلت إنني في العادة لا أبادر بنفي أو تأكيد لرواية تنشر عني، فأنا لا أستطيع متابعة كل الروايات من ناحية، ومن ناحية أخرى اعتقادي الراسخ أن الأمور تصحح نفسها في النهاية. لكن عندما يتعلق الأمر بتزوير “كتاب” ترى ما العمل.
ثم أنني أنتمي إلى شريحة من صحافيين شاءت أقدارهم أن يمارسوا المهنة وكذلك كتابة بعض الكتب، إذا توفر وقت للكتابة.
مشكلة الصحافة أنها ماكينة تدور على مدار الساعة أو حتى الدقيقة، ولا يمكن أن تتوقف لتترك وقتاً للكتابة التي تنفذ إلى ما بعد رواية الأخبار والتعليق عليها، أي إلى العمق.

الصحيفة سواء كانت ورقية أو إلكترونية سلعة سريعة العطب. إذ هي تموت كل ساعة إذا كانت إليكترونية، وكل مساء إذا كانت ورقية، وتموت بالتالي أخبارها وموادها، ثم يبدأ يوم جديد من حياة محرريها.

في زمن مضى أصبحت الومضة السريعة للصورة على شاشة التلفزيون أو الحاسوب، وليس للكلمة، لذلك جاء الآن عصر راح الناس خاصة الشرائح المثقفة تعود إلى الكلمة وفي ظنهم أنها يفترض أن تذهب أبعد من الصورة، لتحلل وتشرح وتنقب وتوضح وتروي على مهل وذلك دورها في العصر الإليكتروني.

لذلك اخترت أن أتجه نحو كتابة كتب، وأخرج بين الفينة والأخرى من دائرة رواية الأخبار وتحليلها، لكن المعضلة أن “الكتب” لا تطعم خبزاً إلا في حالات استثنائية، وإذا طالها التزوير نكون أصبحنا مثل ذلك الذي بات يشوي القراح.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: