آراءفي الواجهة

طلحة جبريل: سيدة إستثنائية، هذه حكاية أخرى من حكايات النشر

طلحة جبريل: سيدة إستثنائية، هذه حكاية أخرى من حكايات النشر

الإعلامي – تدوينات مختارة

طلحة جبريل

تلقيت رسالة عبر البريد الإلكتروني من أحد الكتاب الأميركيين (من أصل عربي ) يطلب فيها موافقة خطية لنشر حوار كنت أجريته مع “كونسبسيون بسيوتو” أشهر محتجة في العالم.
كانت بسيوتو قد رحلت من دنيا الناس هذه في يناير عام 2016 عن سن تناهز 80 سنة.
أعرف أن الموافقة الخطية ضرورية، لأن الحوار سيكون ضمن حوارات أجريت مع “بسيوتو” ستنشره دار نشر تابعة لإحدى الجامعات الأميركية.

لكن من هي هذه السيدة التي نالت لقب “أشهر محتجة ومتظاهرة في العالم”.
عاشت بسيوتو داخل خيمة أمام البيت الأبيض في الصيف اللاهب في ليالي الشتاء الباردة والماطرة وفي ايام تقتلع فيها العواصف الأشجار أو تتكوم خلالها الثلوج فوق أرصفة الشوارع.
تغير شعاراتها في بعض الأحيان لكن معاداتها للحرب ثابتة.
الخيمة نفسها، اللكنة الاسبانية نفسها، الملابس الرثة نفسها.
وجهها رسم عليه الزمن خطوطاً، بل كاد أن يحفر أخاديد.
تركزت شعاراتها خلال فترة إدارة جورج بوش عل وقف الحرب في العراق وافغانستان، ثم استبدلتها بشعار عام يناهض الحروب، مع شعارات تندد بعدوانية اسرائيل.

كما رفعت شعاراً يقول : يا سيادة الرئيس استقبل أقرب جارة اليك..كونسبسيون بسيوتو.
ظلت بسيوتو سنوات داخل خيمتها أمام البيت الأبيض حيث كانت بضعة أمتار تفصل بين بوابته الرئيسية وتلك الخيمة.
دخلت كتاب غينيس للارقام القياسية بعد أن ظلت في ذلك المكان ترفع شعاراتها، منذ أكتوبر عام 1981.
ولدت بسيوتو في غرب اسبانيا ثم هاجرت إلى نيويورك لتحقق حلم حياتها في الهجرة إلى أميركا أرض الأحلام كما كانت تعتقد، جاءت الى نيويورك وعمرها 18 سنة.عملت في البداية سكرتيرة في القنصلية الاسبانية ، ثم تزوجت رجل أعمال إيطالي، وكان عمرها آنذاك 21 سنة.رزقت بابنة وحيدة عام 1973 لكنها انفصلت عن زوجها.
ترفض بسيوتو الحديث عن تفاصيل حياتها الخاصة كما لا تتحدث عن ابنتها. انتقلت إلى واشنطن بعد أن فقدت في نيويورك كل شيء، بما في ذلك حضانة ابنتها.خسرت عدة قضايا للحضانة في محاكم مانهاتن و”ألبني”عاصمة ولاية نيويورك. هكذا فقدت كل شئ ..عملها ومنزلها وزوجها وابنتها.

حاولت في واشنطن أن تشرح هذه التراجيديا الأسرية والحياتية لأعضاء الكونغرس لكن دون جدوى. قررت بعدها أن تحمل قضيتها إلى الشارع. نصبت خيمة قبالة البيت الأبيض، وراحت تطالب بتحقيق العدالة في أميركا وخارجها. ثم تحولت من القضية الشخصية الى قضايا كونية. رفعت شعارات ضد الاسلحة النووية و الحروب..واسرائيل.
قالت لي في ذلك الحوار إنها بقيت هناك 28 سنة وعلى استعداد أن تبقى 28 سنة أخرى.
قلت لها واذا لم يتحقق هذا الحلم إلى أين ستذهبين من هنا؟
أجابت :” إلى القبر”.
يا لها من سيدة إستثنائية.

اظهر المزيد

مواضيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: