الثقافي و الفنيفي الواجهة

رواق المكتبة الوطنية يحتضن المعرض الاستيعادي للفنان عبد الإله الشاهدي

رواق المكتبة الوطنية يحتضن المعرض الاستيعادي للفنان عبد الإله الشاهدي

الثقافي

إدريس كثير*

يطالعنا الفنان التشكيلي عبد الإله الشاهدي لأول مرة بمعرضه الاستيعادي في رحاب المكتبة الوطنية للمملكة المغربية بالرباط ما بين 14 و 31 دجنبر الجاري تحت عنوان ” ما وراء نظرة”، وذلك بدعم من وزارة الثقافة.

ورقة نقدية موسومة ب “أثر الفراشات” من وحي ” الأنطوفانيا”، الرحم الذي من خلاله ندرك جمال الوجود.

الأثر وجود امحى . ذلك أن الوجود حين يمّحي يترك أثره و يدل عليه في غيابه. الأثر و الغياب صنوان في اللغة كما في التشكيل.

اسم الفراشة في الشعر و في التصوف هو أثر الوجود وهو الوجود جودا و عشق النور حتى الاحتراق. ها هنا تلامس الفراشة الوجود دون أن تؤثر فيه تأثير الأعراض و الأجسام. ربما لهذا السبب غنّى الشاعر محمود درويش ومجّد “أثر الفراشة”:
أثر الفراشة لا يرى
أثر الفراشة لا يزول
يتدرج المعنى ويرحل
حتى يتضح السبيل.

الفراشة في كل هذه المستويات هي الأنثى لا محالة .و هذه الأخيرة هي التي أراد الفنان عبد الإله الشاهدي قياسها و التعبير عن إحساساته و مشاعره من خلالها.
هناك لوحات نموذجية يمكن تلخيص تيماتها على الشكل التالي:

لا بد من تمزيق الحجاب لرؤية جمال الفراشة و هي حرية لا يمكن رؤيتها إلا وراء أثلام وعدالة عمياء لكن ببصيرة عادلة و شمعة تحترق لتخترق الظلام و فراشة اليّم أمواج وأمواج تتلاطم كهدير صخرة سيزيف بصيغة الأنثى وخريف الفراشة حين تذبل و يجف جناحيها وانصهارها وتناسخها الواحدة تلو الأخرى… و يبقى أمل الفراشة فسيحا منفسحا أمام عنف ضروب و صروف الدهر… كل هذه الموضوعات في لوحات الفنان عبدالإله الشاهدي تدل على استدراج المعنى لإيضاح السبيل التشكيلي سواء من حيث هو تجسيد لجسد الفراشات و جماله أو من حيث هو ألوان كروماتية أو موتيفات إيحائية أو معاني و مباني ، مقاصد و مضان…
الفراشة أما كانت أو أختا ، رفيقة أو صديقة ،عاشقة أو خليلة ، لها دوما أثر . أثر جميل رفيع رائق لأنها هي أصل الحياة … هي الحياة.

لمّا أراد الفنان عبد الإله الشاهدي تشكيل الحياة اختار الأنثى ووضعها في أحسن موقع”سبحان من سواها”.ومن خلال هشاشتها و فتاوتها نوّع الموضوعات و التيمات واختصر المسافات الرابطة بين الذكر(الفنان) وبين الفراشة الأنثى (الموضوع). موضوع الفنان موضوع رهيف رحيم رقيق رشيق من خلال هذه الراءات/الريات رمّم رحيقه الكروماتي لمزج ما هو تجسيدي واقعي بما هو رمزي إيحائي.

صباغة الفنان الكروماتية ممتلئة مناسبة لخفة الفراشات و لمّا يفعل الزمان فعله تبدو آثاره بارزة على حروف النضارة و الرشاقة. يمتاز هذا الجسد الجميل برقيق مكوناته و هسيس حركاته و شفيف ملامحه و رفيف جناحيه .تزيده الألوان التي اعتمدها الفنان جمالا ورونقا كل ألوانه ثخينة و رغم ذلك لم تزد أثره إلا خفة و تعبيرا …

يستعمل كل الألوان الأساسية و غالبا ما تحضر في كليتها في اللوحة الواحدة. ما تقوله الألوان لا يقل أهمية تعبيرية عن الرموز و الموتيفات فهي عبارة عن تلوينات للعواطف كاحمرار العنف واسوداد اليأس و شحوب الوجه و تبييض الصمغ …
رمزية اللوحات تدل على تيمات عديدة بدء ا من الحرية إلى الموت إلى الرتابة و التكرار والأمل و هي موضوعات وجودية تتوخى التعبير عن الذات و همومها كما التقطتها عين الفنان ووجدانه و عبرت عنها دقة التفاصيل الملمحية و جماليتها.

رمزيتها ناطقة رمزا و إحالة. إذا كانت العلاقة بين الدال و المدلول لسانيا اعتباطية فهي على العكس من ذلك ضرورية في صلابة علاقة الرمز بما يرمز إليه بحيث لا تقبل التأويلات المختلفة : يذوب شباب الفراشات كما تذوب الشمعة و تعلق الأنثى على المشجب كما علق معطف غوغول و وراء كل امرأة جميلة فاضلة الإنصاف و العدالة و حين تنهار كرامة المرأة يختل توازن العالم و ينهار البنيان الذي يشدّ أواسر الحياة …
كل الموتيفات التي وظفها الفنان ملائمة دالة: ساعة الرمل وشجرة الزّقوم ومصاريف المياه العادمة و الأسلاك الشائكة و أهوال البحر و الأجساد الطافية الطوفانية.

أما الدروس و الحكم التي يرومها الفنان فهي منذ المبتدأ و المنطلق منبع الحياة الدنيا .الأنثى في كل أوضاعها و أشكالها . عكس الشائع المغلوط التافه الأنثى مبدأ و ليست ضلعا أعوجا من الذكر. بل هي آخره و غيريته و غوايته. هي الغواية لأن جوهرها و ماهيتها مبنية على الرغبة ، هي كذلك لأنها تمنح الحياة ، أما الأعوج الأعرج فهو الذي رفض العناية و سقط في الغباوة أو في الغشاوة . تغاشى لأن الأنثى الفراشة تحملته ووجهته نحو الحياة الدنيا ضدا على الحياة الوهمية الاستيهامية الطوباوية.

في الختام ، “الأنطوفانيا” ليست هي الطوفانيا، إنما هي الرحم الذي من خلاله ندرك جمال الوجود. لقد أدرك الفنان عبد الإله الشاهدي جمال الوجود من خلال “أونطوفانيا” جمال الفراشات.

*كاتب و باحث جمالي

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواضيع

إغلاق