في الواجهةكتاب وآراء

حول الخلط بين الليبرالية والديموقراطية

د. وحيد عبد المجيد

حول الخلط بين الليبرالية والديموقراطية

كتاب وآراء – أفق

د. وحيد عبد المجيد*

بدأ الخلط بين مفهومَيْ اللّيبراليّة والديموقراطيّة في أواخر القرن التاسع عشر. لكنّه ظلّ محدوداً ومحصوراً في أوساط سياسيّين غربيّين في مجرى صراعهم ضدّ الماركسيّة في بداية انتشارها في العالَم. بحثوا عن “سلاحٍ” فكريّ للدفاع عن النّظام الديموقراطيّ، ووجدوا ضالّتهم في اللّيبراليّة.

انتقل الخلْط من الساحات السياسيّة إلى دوائر فكريّة وأكاديميّة في البلدان التي شهدت حركة ترجمة شملت أدبيّات غربيّة، ومن بينها بلدانٌ عربيّة. كانت كتاباتٌ لفلاسفة العقْد الاجتماعي جون لوك وجان جاك روسّو وتوماس هوبز، ومفكّرين عقلانيّين وتنويريّين مثل ديكارت وفولتير ومونتيسكيو وألكسيس دي توكفيل، في صدارة ما أقبل عليه مُترجمون ومثقّفون سعوا إلى الاستفادة من ثقافة الغرب المتقدّم. وفي بعض ترجمات هؤلاء، وفي كِتاباتٍ حولها، بدأ الخلْط بين الديموقراطيّة واللّيبراليّة في أوساط فكريّة وأكاديميّة في بلدانٍ غير غربيّة.

غير أنّ الخلْط على هذا المستوى وصل الغرب، أو قُل ظهر في بعض الجامعات ومَراكز الأبحاث والتفكير في أوروبا والولايات المتّحدة، منذ تسعينيّات القرن الماضي، وارتبط بنشوة الانتصار على الاتّحاد السوفييتي السابق ومُعسكره “الماركسي”، وشيوع تعبير “الديموقراطيّة اللّيبراليّة”.

مَساران تاريخيّان مُختلفان

اللّيبراليّة ليست فلسفة واحدة أو نسقاً فكريّاً مُغلقاً، بل تيّاراً عريضاً يشمل أفكاراً كثيرة وفلسفات اختلفت في كثير من تفاصيلها عبر تاريخها منذ أن بدأت إرهاصاتها في القرن الخامس عشر في أوروبا. يجمع هذه الأفكار والفلسفات، والاتّجاهات، مبادئ عامّة أساسيّة مثل الحرّيات السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة، واحترام الفرد والخصوصيّة، والعقلانيّة، والتعدديّة، وقبول الآخر، والمساواة أو تكافؤ الفرص، والعدل أو حُكم القانون.

وتأثَّر مسار اللّيبراليّة منذ بزوغ إرهاصاتها الأولى بتحوّلاتٍ كبرى بدأت في أوروبا، مثل الانتقال إلى الرأسماليّة، وظهور العلمانيّة، والتطوّر نحو الديموقراطيّة.

لم يكُن هناك ارتباطٌ عضوي بين اللّيبراليّة، وأيٍّ من تلك التحوّلات الكبرى. لكنّ أفكاراً ليبراليّة أسهمت في بلورة أطر فكريّة لكلٍّ منها (مفهوم الحريّة الاقتصاديّة بالنسبة إلى الرأسماليّة، ومفهوم حريّة الاعتقاد، والحرّيات الثقافيّة عموماً، بالنسبة إلى العلمانيّة، ومفاهيم الحريّة السياسيّة، والتعدّد، وقبول الآخر، وغيرها، بالنسبة إلى الديموقراطيّة).

لم تكُن الديموقراطيّة، بالمعنى الذي نعرفه اليوم، موجودة في العالَم حين بزغت إرهاصات اللّيبراليّة في عصر النهضة، ثمّ توسَّعت في عصر التنوير، بين القرنَين السادس عشر والثامن عشر. اللّيبراليّة أسبق من الديموقراطيّة تاريخيّاً. عُمر الديموقراطيّة أقصر، إذ يصعب أن نجد أساساً قويّاً لها على نطاقٍ واسع قبل بداية القرن التاسع عشر، حين بدأ تطوّرها في ارتباطٍ وثيق مع حصول البرلمانات القليلة التي كانت موجودة في بعض البلدان على صلاحيّات رقابيّة وتشريعيّة. فقد كانت البرلمانات سابقة أيضاً على الديموقراطيّة. ولكنّها كانت تعني شيئاً آخر غير ما صارت تُعرف به منذ بداية التطوّر نحو الديموقراطيّة. كان البرلمان في بدايته مقصوراً على ملّاك الأراضي في مرحلة الانتقال من الإقطاع إلى الرأسماليّة، إلى جانب نبلاء المُدن ووجهائها. وكان ذكوريّاً لا محلّ للنساء بين أعضائه، ولا حتّى بين ناخبيه الذين كانوا محصورين في دافعي الضرائب الذكور.

وأخذ ذلك التمثيل الأرستقراطي في التراجع تدريجيّاً، بدءاً من إنكلترا، لمصلحة البورجوازيّة الصّاعِدة. ولكنّ البرلمانات ظلّت نخبويّة، وليست شعبيّة، ردحاً من الزمن. ولم تتحرّر البرلمانات من نخبويّتها، أي لم “تتمقْرط” أو تصبح ديموقراطيّة، إلّا عندما بدأت الأحزاب السياسيّة في الانتشار، فتغيَّر تركيب المَجالس النيابيّة. وكانت بدايات اللّيبراليّة سابقة على هذا كلّه.

الاختلاف بين أفكارٍ وإجراءات .. وبَين قيَمٍ ومؤسّسات

فضلاً عن اختلاف مسارَيْ اللّيبراليّة والديموقراطيّة في تطوّرهما التاريخي، فهما مُختلفان في طابعهما. اللّيبراليّة أفكارٌ وفلسفاتٌ وثقافاتٌ وقيَم، فيما الديموقراطيّة إجراءات وقواعد وترتيبات ومؤسّسات.

اللّيبراليّة، إلى ذلك، منهج أخذ البشرَ إلى مساحةٍ مُختلفة عن تلك التي بقوا فيها على مدى تاريخهم، ومازال كثيرٌ منهم محبوسين فيها يبحثون عن الخلاص في عقائد مُطلقة دينيّة أو قوميّة أو غيرها، أو في الرّهان على بطل، أي عن حلّ خلاصيّ ما. اللّيبراليّة، قبل كلّ شيء، منهج في التفكير ينطلق من قدرة البشر على تحسين شروط حياتهم عندما يمتلكون حرّيتهم، ويحرّرون عقولهم، ويُحسنون استخدامها.

الديموقراطيّة، في المقابل، نظام سياسيّ يقوم على تداول السلطة عبر اقتراعٍ حرّ يختار عبره الناخبون برلماناً يفترض أنّه يمثلهم، ورئيساً للدولة في النظام الديموقراطي الرئاسي، وشبه البرلماني، فيما ينتخب المجلس النيابي رئيساً للحكومة يرأس السلطة التنفيذيّة، ورئيساً للدولة يكون حكماً بين السلطات، في النظام الديموقراطي البرلماني. ويحدث هذا الاختيار في عمليّة تنافسيّة حرّة تتبارى فيها أحزابٌ ومنظّمات وجماعات سياسيّة وأفراد من دون قيود تُكبّلهم. الديموقراطيّة، إذن، عمليّة إجرائيّة يحدِّد الدستور في كلّ بلد القواعد التي تقوم عليها، والعلاقة بين المؤسّسات التي تعمل في إطارها، وتنظِّم القوانينُ تفاصيلَها.

وبموجب هذا الاختلاف، يُمكن أن توجد ديموقراطيّة من دون ليبراليّة. والمقصود، هنا، ديموقراطيّة حقيقيّة يكون الشعب فيها مصدر السلطة، وتتوافر لها المقوّمات الأساسيّة التي تُمثَّل محتوى النظام الديموقراطي، وليس شكله فقط، إذ يسهل تركيب هذا الشكل على أيّ نظام، كما حدث في شأن “المركزيّة الديموقراطيّة” التي بلْورَتها أدبيّات ماركسيّة، واستخدَمتها أحزابٌ شيوعيّة وصلت إلى السلطة.

فقد حدث تطوّر ديموقراطي حقيقي في اليابان، على سبيل المثال، في بيئة ثقافيّة غير ليبراليّة، وفي ظلّ سيادة ثقافيّة جماعيّة تنفر من الفرديّة التي تُعَدّ القيمة الأكثر فرادة في اللّيبراليّة. ويُمكن أن تعمل الديموقراطيّة في بيئة غير ليبراليّة إذا توافرت إرادة سياسيّة لدى النخبة التي تتوافَق على تأسيس نظامٍ ديموقراطي، وتعوَّد المجتمع على قواعد هذا النظام وإجراءاته، وصارت مألوفة لدى فئاته المُختلفة.

وهذا الاختلاف بين طابع كلّ من الديموقراطيّة واللّيبراليّة هو الذي أتاح وجود ديموقراطيّين لكنّهم ليسوا ليبراليّين، منذ أن ظهرت الاشتراكيّة الديموقراطيّة في نسختها الأولى في مطلع القرن العشرين. وفي العالَم الآن ديموقراطيّون من اتّجاهاتٍ مختلفة غير ليبراليّة، (مُحافِظة واشتراكيّة وغيرها)، ولكلٍّ منها مرجعيّتها واتّجاهاتها المُختلفة عن اللّيبراليّة كلّياً أو جزئيّاً.

حدود تأثير أزمة اللّيبراليّة على الديموقراطيّة

يعتقد كثيرون أنّ الديموقراطيّة تُواجِه أزمة في معاقلها التاريخيّة الأساسيّة بسبب صعود الاتّجاهات القوميّة المتطرّفة والشعبويّة التي تشنّ هجوماً على مؤسّسات النظام الديموقراطي. يحبس أنصار الديموقراطيّة أنفاسهم كلّما حلَّ موعد انتخابات عامّة في عددٍ متزايد من الدول التي يُعَدّ كلٌّ منها نموذجاً ديموقراطيّاً.

غير أنّ صعود هذه الاتّجاهات يعود إلى أزمة اللّيبراليّة في المَقام الأوّل. ليبراليّة الحرّيات والحقوق المدنيّة، والقيَم الفرديّة، وقبول الآخر، هي المأزومة بالأساس. تتجلّى أزمتها خصوصاً في الموقف تجاه التعدّد الثقافي، والتنوّع العرقي. انتشار الإرهاب، وتدفُّق أعداد غفيرة من البشر بحثاً عن لجوء في أوروبا، فاقما أزمة اللّيبراليّة، بمقدار ازدياد المَيل إلى التعصّب تجاه المُختلفين دينيّاً وعرقيّاً في قلب الديموقراطيّات الغربيّة، وتَنامي الاستعداد لقبول قيود مُتفاوتة على بعض الحرّيات من أجل ضمان الأمن، ومُواجَهة “خطر” الهجرة.

ولكنْ هل تُهدِّد أزمة اللّيبراليّة، الآخذة في التفاقُم، الديموقراطيّة بدَورها؟ الجواب نعم، ولكن ليس إلى المدى الذي يتصوّره أو يتخيّله الخائفون على الديموقراطيّة. أزمة اللّيبراليّة تُضعِف النظام الديموقراطي، بمقدار ما كان ضعف أداء مؤسّسات هذا النظام في أوروبا والولايات المتّحدة أحد أسباب هذه الأزمة، ولكنّه ليس السبب الرئيس، أو قُل إنّ أهمّيته أقلّ من أثر انتشار الإرهاب، وتدفّق اللّاجئين على نحوٍ أتاح لرافضي الهجرة تحويلها إلى خطر يُستخدم لتخويف أعدادٍ متزايدة من الناخبين.

أزمة اللّيبراليّة تخصم من النّظام الديموقراطي بَعضاً من دعائمه الثقافيّة والقيميّة، وخصوصاً الإيمان بفائدة التعدّد الثقافي، والتنوّع العرقي، والانفتاح على العالَم. ولذا يضعف النظام الديموقراطي تحت وطأة أزمة اللّيبراليّة. لكنّ رسوخ قواعده الإجرائيّة والمؤسسيّة يحول دون تقويضه، ووجود قوى اجتماعيّة حيّة في المجتمعات التي يُطبَّق فيها يمكِّنها من مُقاوَمة أيّ محاولة لتعطيله أو تقويضه.

لقد مضى زمن كان في إمكان قوى متطرّفة إلغاء النظام الديموقراطي، على النحو الذي حدث في إيطاليا وألمانيا وأسبانيا في عشرينيّات القرن الماضي وثلاثينيّاته، وامتدّ إلى البرتغال واليونان. القوى المتطرّفة الصاعدة في الغرب الآن تُخاصم اللّيبراليّة، ولكنّها تكيّفت مع الديموقراطيّة على مدى عقود، وتعوَّدت الأجيال الرّاهنة في أحزابها وحركاتها على آليّات النظام الديموقراطي الذي صار مألوفاً بالنسبة إليها. كما أنّ رسوخ هذه الآليّات جعلها نمط حياة يُمكن التحايل عليه، ومحاولة الالتفاف حوله بدرجة أو بأخرى، ولكنْ يصعب تغييره جذريّاً على النحو الذي فعله حزبا موسوليني وهتلر في إيطاليا وألمانيا منذ ما يقرب من قرن كامل.

التمييز بين اللّيبراليّة والديموقراطيّة، إذاً، يتيح تقدير طابع أزمة الأولى، وحدود مشكلة الثانية في الواقع، وليس فَهْم الاختلاف بينهما فقط.

 

*مدير مركز الأهرام للدراسات السياسيّة والاستراتيجيّة

الوسوم
اظهر المزيد

صابر جهاد

صحافي محرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق