آراءفي الواجهة

جمال بندحمان: المشهد الحزبي بالمغرب، ثبات البنية وتغير المشهد

جمال بندحمان: المشهد الحزبي بالمغرب، ثبات البنية وتغير المشهد

الإعلامي – كتاب وآراء

 

 

الدكتور جمال بندحمان

يعاني المشهد الحزبي المغربي، باسم التعددية، تضخما غير طبيعي؛ إذ يبدو جسده ضخما بشكل مشوه، لكن رأسه صغير جدا…. فهذه الصورة المجازية تبين أننا أمام ممارسات ألغت من اعتبارها الخلفيات التنظيرية، وجعلت الممارسة وحدها مسوغا لوجودها. وإذا كنا في زمن أصبح يبدو بعيدا أمام ممارسين منظرين مثل علال الفاسي أو عابد الجابري أو الوزاني، فإننا اليوم أمام ممارسة بدون جذور فكرية أو ثقافية؛ أي بدون خلفيات مرجعية. ومن المنطقي أن يترتب عن وضع مثل هذا مشهد مبلقن؛ لأن بعض الأحزاب في المغرب لم تتأسس لتجيب عن حاجات موضوعية أو أسئلة مجتمعية، وهو ما استتبع عدم الوضوح، والاكتفاء بالظهور خلال لحظات الاستحقاقات الكبرى، وعدم التجذر في بنيات المجتمع، وغياب الأجوبة الناجعة عن الإشكالات المطروحة، وعدم امتلاك الجرأة على اتخاذ مواقف صريحة ومباشرة…

هذا التشخيص السلبي يكاد لا يستثني اليوم أحدا. فرغم ما يبدو من غليان حزبي ظاهري؛ فإن سمته الأساس أنه غليان غير معقلن، وانفعالي في عمومه، ومشخصن. دليل ذلك أن الأحزاب لم تبن (غليانها) على نتائج تقييمات كيفية وكمية وبمؤشرات قابلة للقياس، بل بنتها على ردود أفعال على قرارات اتخذت خارج دوائرها، كما أنها تتهرب من مناقشة القضايا الحقيقية بربط أزمتها بالأشخاص.

وهكذا لا حضور لصراع تيارات أو مشاريع، بل مجرد طموحات فردية تتزين بهذا اللباس أو ذاك. لذلك نلاحظ اليوم زيادة كبرى في منسوب الشخصنة لدى الأحزاب، ولو كان الأمر يتعلق بأشخاص يقودون تيارات داخل أحزابهم كان الأمر تعبيرا عن نضج تنظيمي يسمح بوجود الاجتهادات داخلها، كما أنه سيقوي شروط نجاح الديمقراطية الداخلية التي تحتاج الأحزاب جرعات قوية منها. لكن للأسف، الشخصنة محصورة في الطموحات المحدودة الأفق، وفي تهريب النقاش الحقيقي وتعويمه.

لنتأمل ما حدث لحزب العدالة والتنمية،وما حدث في حزب الاستقلال،وما يحدث في الأصالة والمعاصرة، وما سيحدث في التقدم والاشتراكية، وحتى الاتحاد الاشتراكي حيث يحضر (الشخص) ويغيب التشخيص والأطروحة والتصور، ومعها تغيب الجرأة والوضوح، والالتزام بأفق سياسي واضح مع الشراسة في الدفاع عنه.

فمنذ السنوات التي تلت الاستقلال، ونحن نبحث عن حزب قادر على رفع الشعارات، والاستمرار في الإخلاص لها، وعدم السقوط في الانقسامية القاتلة، لكن كلما تحمل حزب مسؤوليات التدبير السياسي تحول من النقيض إلى النقيض، ودرس الاتحاد الاشتراكي في هذا الباب ليس بعيدا، ويبدو أن حزب العدالة والتنمية يسير في ذات المنحى، ولاشك أن لكل ذلك انعكاسات على المشهد السياسي بالمغرب، وعلى ثقة المواطنين بالأحزاب علما أن اعتقادي الراسخ هو أن الديمقراطية التي نطمح إليها لا يمكن أن تتحقق بدون أحزاب حقيقية ترفض أن تكون  استعارات  أو مجازات سياسية.

 

كل كتابات الرأي المنشورة في “الإعلامي” لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع
الوسوم
اظهر المزيد

مواضيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: