آراءفي الواجهة

جمال الموساوي: المرأة والفساد، الضحية الأكثر هشاشة

جمال الموساوي: المرأة والفساد، الضحية الأكثر هشاشة

الإعلامي – كتاب وآراء

جمال الموساوي*

 

في الظاهر يبدو الفساد واحدا، سواء تعلق الأمر بالرجل أم بالمرأة. إن انخراط الاثنين في ممارسات فاسدة غير مستبعد في سياق يتميز بارتفاع حدة الفساد وأيضا بنوع من التسامح معه، واعتباره جزءا من الأمور اليومية التي تقترب من أن تكون عادية.

خلال الإعداد لهذه المداخلة استحضرت أرقاما تعود لدراسة أنجزت، أغلب الظن، سنة 2007 (لفائدة الشركة الفرنسية CSA, Consumer, Science & Analytics) تقول إن 70 في المائة من الفرنسيين و60 من الإيطاليين و59 من الأمريكيين يرون أن العالم كان من الممكن أن يكون أقل فسادا لو أن النساء كن كثيرات في مناصب المسؤولية. وهي خلاصات تؤكدها دراسات أخرى أنجزت قبل هذه من قبل مؤسسات كالبنك الدولي مثلا.

في تقديري ومن خلال المتابعة للقضايا التي تروج أمام القضاء أو في وسائل الإعلام، من المثير ملاحظة غيابٍ يكاد يكون شبه تام للمرأة في هذه القضايا، وهو ما يفتح ربما بابا للقيام بدراسة وطنية في هذا الاتجاه، ليس لإثبات جنس الفساد، بل فقط للوقوف على بعض العناصر التي تجعل النساء أقل فسادا، بعيدا عن المعطى المتعلق بقلة عددهن في مناصب المسؤولية. ولربما يتمثل أحد هذه العناصر في كون الرجل عبر التاريخ إلا في حالات قليلة يبدو أكثر رغبة في امتلاك المال والسلطة، وأن المرأة “قنعت” دائما بالعيش في الامتيازات التي توفرها لها سلطة ومال زوجها (وهناك من الأمثلة المعاصرة ما لا يخفى).

ومع التسليم بأن اتهامات الفساد تلاحق أكثر، المسؤولين الكبار الرجال عبر العالم، خاصة في البلدان النامية، إلا أننا لا نعدم أمثلة، على قلتها، بالنسبة للنساء، حيث يمكن أن نستحضر في هذا السياق رئيسة كوريا الجنوبية (باك غن هيه) التي تم عزلها وإحالتها على المحكمة في وقت سابق من السنة الجارية بتهمة الفساد واستغلال النفوذ لفائدة إحدى صديقاتها، وأيضا رئيسة الأرجنتين السابقة كريستينا كيرشنر (2007-2015) بالتهم نفسها تقريبا، المحسوبية ومنح صفقات لمقرب منها، بالإضافة إلى تهم أخرى.

بيد أنه إذا كان الفساد باعتباره تحريفا لسلطة أو انتداب عمومي لتحقيق منافع خاصة، ظاهرة تتجاوز مسألة النوع الاجتماعي إلى أن يثبت العكس، فإن انعكاساته على خلاف ذلك. ففي المجتمعات النامية يؤثر الفساد أكثر على النساء مباشرة أو من باب تأثيره السلبي على التنمية الاجتماعية والاقتصادية بشكل عام. ذلك أن المرأة تمثل في هذه المجتمعات الحلقة الأكثر هشاشة مقارنة مع الرجل لاعتبارات يتضافر فيها ما هو أعراف وتقاليد تسم المجتمع بطابع ذكوري أو أبوي أكثر فأكثر، مع ما هو اقتصادي واجتماعي. هذه الوضعية الهشة هي ما يعكس حضورهن كفئة تستدعي العناية في البرامج والاستراتيجيات الاجتماعية المتعلقة بالتنمية البشرية، ليس فقط على الصعيد الوطني بل أيضا في تلك التي تقوم مؤسسات دولية، كالأمم المتحدة مثلا، بصياغتها والدعوة إلى تنفيذها.

إن المجتمعات النامية تبدو فيها المرأة أكثر حرمانا من الولوج إلى مجموعة من الحقوق الأساسية، وفي قطاعات تصنفها الدراسات التي تجريها مؤسسات ومنظمات دولية ووطنية ضمن الأكثر عرضة للفساد بالنظر إلى العدد كبير من المواطنين الذين يحتاجون إلى خدماتها بشكل يومي.

يضاف إلى ذلك أن المرأة في هذه الدول، مع انتشار الأمية وعدم نيلها حظا من التعليم، أقل معرفة سواء بالحقوق التي يكفلها لها القانون أم بالمساطر التي ينبغي أن تسلكها في الحالات التي تتعرض فيها هذه الحقوق للانتهاك بما في ذلك حالات الرشوة أو التحرش الجنسي من أجل الحصول عليها.

إذا كان ظاهر الأمر على هذا النحو، فإن جذور ذلك كامنة في فساد منظومة تفكير المجتمع عندما يتعلق الأمر بالنظر إلى مكانة المرأة فيه. ذلك أنه تفكير مؤسس على نظرة إقصائية مطبوعة بالإعلاء من شأن الذكر، كرستها الأعراف والتقاليد وصدقها الواقع الذي نعيش فيه بالرغم من الحركية التي نشهدها حاليا في الاتجاه المعاكس، ليس فقط بفعل التأثر بما يحدث في العالم بل بالحاجة التي أفرزتها الحياة المعاصرة إلى امرأة فاعلة حقا في تطور المجتمع. وهو ما تمخض عن مكاسب قانونية وحقوقية كثيرة تحتاج إلى تمكين وترسيخ، كما تمخض عن كسر جدار الصمت في ما يتعلق بعمليات التحرش أو الابتزاز الجنسي التي بقيت النساء حريصات على إخفائها تجنبا لردود الفعل ولنظرة الانتقاص تجاهها من طرف المجتمع.

تبعا لهذه الوضعية، يمكن القول بأن هشاشة موقف المرأة أمام الممارسات الفاسدة هي جزء لا يتجزأ أو نتيجة تكاد تكون حتمية للنظرة الاقصائية لمجتمع ذكوري جدا. وأول مظاهر الفساد الذي تتعرض له المرأة يتمثل في خرق مبدأ تكافؤ الفرص عندما يكون هناك تنافس مختلط. فسواء تعلق الأمر بمناصب العمل، أو مقاعد القيادة في المنظمات السياسية والمدنية أو في البرلمان، أو في الأجور، أو بالتمويل المالي لمشاريع اقتصادية وتجارية، تبدو النساء أقل حظا مقارنة مع الرجال، بالرغم مما يمكن أن يكون قد تم اتخاذه لضمان حد أدنى من هذا المبدأ، أي تكافؤ الفرص، ناهيك عن احتمال التعرض للتحرش أو الابتزاز الجنسي إن هي أرادت الحصول على المنصب أو التمويل أو غير ذلك مما سبق. ولعل هنا يكمن جوهر الفرق عند المقارنة بين أنواع الفساد التي يتعرض لها كل من الرجل والمرأة. فهذه الأخيرة عرضة لكل ما قد يواجهه الرجل بالإضافة التحرش الجنسي الذي يكون وقعه مضاعفا، لأنه يتجاوز الاستيلاء على أموال أو أيه أشياء مادية أخرى تملكها إلى المس بكرامة الذات مباشرة.

ودون الدخول في تفاصيل كثيرة، يمكن اعتبار حدة ما تعانيه المرأة في مواجهة الفساد مقارنة مع الرجل في مجتمعات منها المجتمع المغربي واحدا من تداعيات التقسيم غير العادل للأدوار، ساهمت فيه كما تمت الإشارة إليه اعتبارات ثقافية وتاريخية بالإضافة إلى ضرورات الحياة نتيجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية. هذا السياق الذي جعل المرأة أقل حضورا في المشهد السياسي والاقتصادي والإداري وبالتالي بعيدة عن مراكز القرار، أوكل إليها بالمقابل مهام يومية شاقة تجد معها نفسها في احتكاك مباشر ومفروض مع احتمالات التعرض لعدة أشكال من الفساد (الصغير) الذي قد يذهب إلى حد التحرش والابتزاز الجنسي، وبشكل يزيد من تكريس واقع الهشاشة الذي يطبع أصلا وضعية المرأة.

فبسبب من تقسيم الأدوار هذا، تجد المرأة نفسها في حاجة إلى التعامل بشكل مستمر مع قطاعات وإدارات خدماتها حيوية بالنسبة للمهام المنوطة بها. وللمفارقة هي قطاعات غالبا ما ترد في مقدمة القطاعات التي ينخرها الفساد، في العالم، نظرا لارتفاع عدد الوافدين عليها. إن المرأة التي يتعين عليها الاهتمام بأطفالها ورعايتهم، تحتاج بشكل منتظم، على سبيل المثال، لزيارة المرافق الطبية القريبة، وإلى أوراق وشواهد إدارية تمنحها الجماعات المحلية أو المدرسة أو غيرهما.

هكذا، نحن أمام وضعيتين متباينتين في ما يتعلق بالعلاقة بين الفساد والمرأة. فالمرأة حاضرة بكثافة تبعث على المرارة كضحية سهلة لهواة ومحترفي الممارسات الفاسدة، ولكنها بالمقابل غائبة تقريبا، وفقا للدراسات المتوفرة (البنك الدولي، ترانسبارونسي الدولية…)، كطرف فاعل في انتشار الفساد من موقع المسؤولية وذلك استنادا إلى الخلاصات التي تقول إن المرأة أقل فسادا مقارنة مع الرجل.

إن هذا يصب في فكرةٍ تُمنح بموجبها للمرأة إمكانية المساهمة بشكل فعال في سياسات محاربة الفساد، وهي فكرة فيها الكثير من الأخذ والردّ، من بابِ أن هذه العملية تحتاج إلى تضافر جهود الجميع وأنه حتى هذه المساهمة رهينة بأمور أخرى خاصة تعزيز حضور المرأة في مراكز اتخاذ القرار في المنظمات السياسة والمدنية والإدارات العمومية وفي القطاع الخاص، ورهين أيضا بطبيعة السياسات والاستراتيجيات الرامية إلى مكافحة الظاهرة، ثم من بابِ أن النساء أنفسهن يرين في الأمر ما يحملهن مسؤولية إضافية كما أشارت إلى ذلك أستاذة في المدرسة الوطنية للإدارة العمومية بكندا في استطلاع للرأي بالقول “لا يجب أن تصبح الحرب على الفساد حربا للنساء. فليس عليهن وحدهن أن تتحملن عبء هذه المسؤولية الثقيلة”، وثمة مواقف أخرى مشابهة لهذا الموقف.

لذلك، ومن أجل تمكين المرأة، إلى جانب الرجل، من المساهمة الفعالة في محاربة آفة الفساد، ينبغي من جهة الارتقاء بوضعيتها عموما من خلال فتح المجال أمامها في للولوج إلى مواقع اتخاذ القرار بضمان تكافؤ الفرص عند الترشح لشغل مناصب المسؤولية، ومن جهة ثانية بتعزيز الترسانة القانونية المتعلقة بمكافحة الفساد بما يجنبها الخوف من التبليغ (تضمين مقتضيات في قانون حماية الشهود تتعلق بحماية النساء ضحايا هذا النوع من الفساد)، ويجنبها أيضا التحرش الجنسي بتضمين هذا الفعل ضمن أفعال الفساد وتشديد عقوبته عندما يكون مقرونا باستغلال النفوذ أي عندما يكون مقابلا لخدمة تطلبها المرأة من مرفق من المرافق.

**

نص المداخلة في الندوة وطنية التي نظمتها ترانسبرانسي المغرب بتعاون مع مجموعة من شركائها يوم 7/12/2017 بالرباط حول موضوع، ” من أجل النهوض بخطاب محاربة الرشوة يأخذ بعين الاعتبار قضية النوع الاجتماعي”.

 

*مسؤول وحدة التنسيق والتعاون الوطني الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة

اظهر المزيد

مواضيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: