في الواجهةقالت الصحافة

الموظفـون يكلفـون 3500 درهـم لكل مواطـن

الموظفـون يكلفـون 3500 درهـم لكل مواطـن

قالت الصحافة

عن جريدة الصباح

 

حقيقة الأجور بين القطاعين العام والخاص وسؤال المردودية
يتشبث العديد من حملة الشهادات بالوظيفة العمومية ويرفضون كل المقترحات التي تعرض عليهم من أجل الاشتغال في القطاع الخاص أو الانخراط في برامج التشغيل الذاتي التي تشرف عليها الدولة. ويتساءل العديد من المتتبعين عن السر وراء هذا الإصرار والاعتصام أمام بناية البرلمان والوزارات المعنية والإضرابات عن الطعام من أجل الظفر بمنصب في أسلاك الوظيفة العمومية، ولماذا يرفض حاملو الشهادات العليا العمل في القطاع الخاص؟ مكن تقرير المجلس الأعلى للحسابات من إعطاء جوانب من الأجوبة عن كل هذه التساؤلات، عندما بين بالمعطيات المرقمة أداء القطاع العام ومستوى الأجور به مقارنة مع القطاع الخاص وبلدان أخرى.

أصبحت الزيادة في الأجور لازمة في أفواه التمثيليات النقابية كلما حان موعد جولات الحوار الاجتماعي، ما يعطي الانطباع بأن الأجور بالوظيفة العمومية تعتبر المطلب الرئيسي والمحوري وأنها لم تعد كافية لمواجهة مطالب الحياة.

القطاع العام… رواتب مرتفعة وخدمات متدهورة

جاء تقرير المجلس الأعلى للحسابات ليسلط الضوء على مجموعة من المغالطات. وأكدت خلاصات التقرير أن الوظيفة العمومية تكلف غاليا، إذ ارتفعت كتلة الأجور، خلال السنة الماضية، لتصل إلى 120 مليار درهم، ما يمثل 11.84 % من الناتج الداخلي الإجمالي، ما يعني أن أزيد من عشر الثروات التي ينتجها المغرب، خلال سنة، تخصص لأداء الأجور في الوظيفة العمومية. ويعتبر هذا المعدل الأعلى بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي لا تتجاوز فيه النسبة 9.8 %، علما أنها لا تتجاوز 7.2 % في مصر، كما أنها تقل عن 10 % بفرنسا. وهكذا، فإن كلفة الوظيفة العمومية تتجاوز القدرة الاقتصادية للمغرب، خاصة أن الارتفاع المتواصل لكتلة الأجور لا يوازيه تحسن في أداء الاقتصاد الوطني، علما أن الإدارة تمثل قطب الرحى في أي سياسة تنموية، إذ لا يمكن للمقاولة مهما بذلت من جهد أن تكون تنافسية على الصعيد العالمي إذا كانت الإدارة في المحيط التي تنشط فيه متخلفة ولا تقوم بواجبها في توفير مناخ أعمال متميز. ويمثل الأداء الضعيف للإدارة أحد الأسباب الرئيسية في المشاكل التي يعانيها القطاع الخاص وتحد من تنافسيته، إذ أثبتت كل الدراسات أن الإدارة أصبحت تشكل عبئا ثقيلا على المواطنين، إذ تكلف كل مواطن سنويا أزيد من 3500 درهم، وذلك بقسمة الكتلة الأجرية في الوظيفة العمومية (120 مليار درهم) على عدد السكان (34 مليون نسمة). ورغم هذه الكلفة، فإنها لا تقدم بالمقابل النتائج المرجوة، إذ أن اللامبالاة وغياب المبادرة والابتكار وضعف المردودية من أبرز المميزات التي تطبع الأداء في القطاع العام. وأبانت نتائج بحث أنجزه المرصد الوطني للإدارة العمومية أن أقل من ربع الفئة المستجوبة 22 % هم الذين أكدوا فعالية الأداء، في حين أن الباقي كانت لهم آراء سلبية، وهمت بالخصوص قطاعات التربية الوطنية والصحة والعدل، علما أن هذه القطاعات تشكل 52.5 % من الكتلة الأجرية بالوظيفة العمومية و 40 % من الميزانية العامة للدولة. ما يعكس كرم الإدارة، إذ أن الأجر لا يقابله الأداء المطلوب.
الغريب في الأمر أن الحكومة لم تثر مسألة المردودية والأداء قط في كل جولات الحوار الاجتماعي، إذ تضطر تحت الضغط وفي بحثها عن السلم الاجتماعي داخل المرفق العمومي إلى الانصياع إلى طلبات النقابة وتقر الزيادات المتتالية دون المطالبة مقابل ذلك باعتماد معايير من أجل تقييم المردودية أو التفكير في إحداث آلية لتحسين الأداء. والنتيجة أن الدولة، حسب ما جاء في تقرير المجلس الأعلى للحسابات، تتحمل سنويا حوالي 13 مليار درهم لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه خلال اتفاق 26 أبريل 2011، في إطار الحوار الاجتماعي. لذا نجد أن حاملي الشهادات والباحثين عن الشغل يصرون على إيجاد منصب شغل بالوظيفة العمومية.


القطاع الخاص…أجور أقل وفاعلية أكثر

كشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات، حقيقة أخرى مفاجئة، أن الأجور بالقطاع العام تفوق بكثير القطاع الخاص، إذ أكد أن متوسط الأجور في الوظيفة العمومية يصل إلى 7700 درهم، في حين لا يتجاوز في القطاع الخاص 4932 درهما، بفارق 2768 درهما.
بالمقابل يلاحظ أن الأداء بالقطاع الخاص أكثر فاعلية مما هو عليه في أسلاك الوظيفة العمومية. وكانت الفكرة الشائعة لدى العموم أن الأجور بالقطاع الخاص تتجاوز القطاع العام بكثير. صحيح أن أطر القطاع الخاص يتقاضون أجورا أعلى من نظرائهم بالوظيفة العمومية، لكن المتوسط العام للأجور يظل مرتفعا بالقطاع العام، لأن أعداد الموظفين محدودة بالمقارنة مع القطاع الخاص، في حين أن كتلة الأجور بالوظيفة العمومية تصل إلى 120 مليار درهم، لذا نجد أن المستوى العام للأجور مرتفع نسبيا. ورغم أن المستوى العام للأجور أقل بالقطاع الخاص، فإن المردودية أعلى، وذلك لأن أرباب العمل بالقطاع الخاص يعتمدون مقاربة خاصة في تدبير الموارد الأجرية، إذ أن القاعدة السائدة تتمثل في الأجر مقابل العمل، في حين أن الإدارات العمومية لا تتوفر على أي رؤية في هذا المجال، كما أن القوانين المنظمة للوظيفة العمومية لا تسمح باعتماد معايير واستقلالية في تدبير الجوانب المالية للموظفين، إذ أن هناك معايير محددة سلفا ولا يملك المسؤول المباشر على الموظف أي سلطة من جل تحفيز الموظفين وإقرار نظم أكثر مرونة في تحديد الأجور. وتعتمد أغلب البلدان المبدأ المعمول به في القطاع الخاص، إذ لا توجد وظيفة دائمة أو قانون أساسي للوظيفة العمومية، مثل السويد، التي لا تعمل بمبدأ الترقية التلقائية التي تعتمد على الأقدمية، بل إن الموظف يرتقي في سلمه الإداري بناء على الخبرة التي اكتسبها خلال مساره المهني وعلى مدى توفره على المؤهلات المطلوبة في المنصب الأعلى، كما تربط عدد من البلدان الأخرى، مثل ألمانيا وبلجيكا، الترقية في السلم الإداري بالأداء وتطوير المهارات، على غرار ما هو معمول به في القطاع الخاص. وهكذا سيتمكن المغرب، إذا ما تم العمل بمثل هذه المبادئ في الوظيفة العمومية، من الحد من التفاقم غير المتحكم فيه لكتلة الأجور ومن ضمان مسؤولية أكبر لدى الموظفين في تأدية مهامهم.

   عبد الواحد كنفاوي

اظهر المزيد

مواضيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: