إطلالة ثقافيةفي الواجهة

الفنان سعيد أوبرايم: مبدع يتنفس بآلة الفوتوغراف


الثقافي والفنيابراهيم الحَيْسن (ناقد تشكيلي)

    مشَّاء ورحالة لا يترك مكاناً إلاَّ وخلَّده بآلته الفوتوغرافية التي تلازمه كالظل..من الطبيعة، والشارع واليومي، ومن حياة النَّاس ومفاجآت رحلاته يغترف مواضيعه التي يقوم بتصويرها ومعالجتها فنيا وإبداعيا بلمسات حسية توثيقية جميلة تمنحها شكلا إبداعيا جديدا يحمل أكثر من رسالة وأكثر من معنى..

    هو هكذا سعيد أوبرايم، هذا الفنان الجنوبي الذي دأب على مُداعبة آلته الفوتوغرافية التي ينتصر بها على كل فراغ قد يواجهه أو يعترضه..صارت الفوتوغراف عنوانه وهويته ودليل وجوده. من مواليد سنة 1959، يعيش ويشتغل بمدينة أكَادير. فنان فوتوغرافي وأستاذ الفوتوغرافيا بمعهد الصحافة بأكادير، عضو الفيدرالية الدولية للفن الفوتوغرافي ومبدع رحال قاده حبُّه للتصوير الضوئي وشغفه للسفر إلى زيارة مجموعة من المناطق عبر جغرافيا العالم،كالصين، النيبال، الهند، التبت وغينيا..وغير ذلك كثير.

    قام بمعارض فردية وجماعية في أكثر من ستة وعشرين بلداً، إلى جانب تنشيطه لعدة ورشات حول الفوتوغرافيا وعضو الجامعة الأمريكية للتصوير الفوتوغرافي، وهو أيضاً مؤسس نادي أكادير للتصوير الفوتوغرافي. وقد سبق لهذا النادي تنظيم عديد من الملتقيات الفنية ذات البعدين الوطني والدولي، بمشاركة فنانين متميزين في التصوير الفوتوغرافي، وكذا بعض المسابقات الفنية نظم الكثير منها بالمتحف البلدي للتراث الأمازيغي.

  معارض الفنية الفردية منها والجماعية، كثيرة كرحلاته وتنفلاته، أقيم جلها بالخارج، لاسيما في النرويج وألمانيا وإسبانيا و فرنسا، فضلاً عن مشاركته في معارض جماعية بكل من قطر وهونغ كونغ وسلوفينيا والبوسنة والهند وإيران وتركيا.

 

جوائز وامتيازات

    نال الفنان سعيد أوبرايم عدداً كبيرا من الجوائز التحفيزية والتشجيعية بجدارة واستحقاق من لدن هيئات دولية متخصصة وذات صيت عالمي، منها على سبيل المثال لا الحصر: امتياز فنان ممنوح من طرف الفيديرالية الدولية للتصوير الفوتوغرافي AFIAPسنة 2014، لقب GPU.CR1 تاج من الدرجة الأولى مجموعة اتحاد المصورين الدوليين 2016، جائزة FIAP.HM وسام شرف من طرف الجامعة الفوتوغرافية سنغافورة سنة 2016، جائزة AIP.HM وسام شرف من طرف المعهد الأمريكي أطلنتيك للفوتوغرافيا سنة 2016، جائزة GPU.HM وسام شرف من طرف الجامعة اليونانية للفن الفوتوغرافي سنة 2013، وجائزة أحسن عمل فني خلال مسابقة ACAD المقامة بفرنسا سنة 2016.

    كما أحرز على جوائز أخرى، وهي:

    – الميدالية الذهبية لمؤسسة “آل ثاني للتصوير الفوتوغرافي” بقطر سنة 2008، وجائزة كانون للصورة الفوتوغرافية سنة 2012.

    – جائزة وسام الشرف AIP.HM (Atlantic Institute of Photography) من نيوجيرزي بالولايات المتحدة الأمريكية.

    – جائزة FIAP.HM الممنوحة من طرف الفيدرالية الدولية للفن الفوتوغرافي.

    – جائزة كانون للتصوير الفوتوغرافي- 2012.

    – جائزة GPU.Ribbon (Global Photographic Union) Chypre التي تدخل ضمن المسابقة الدولية للصورة الرقمية بقبرص 2016.

    – جائزة أحسن عمل فني بمسابقة ACAD 2016 بـ Saint-Denis (Orléans) بفرنسا.

    – الميدالية الذهبية؛ الممنوحة من طرف الجامعة الأمريكية للتصوير الفوتوغرافي، بالملتقى الدولي بايطاليا سنة 2017  (Gold Medal PSA )

    – الميدالية النحاسية، للجامعة الدولية (Image Sans Frontières ISF) بإيطاليا.

    – وسام شرف الصالون الدولي  (Zeta Circuit 2017 ) بدولة مونتينيجرو.

    هذا بالإضافة إلى مشاركته بالصور في عدد من الكتب والمؤلفات ذات القطع الكبير والرفيع، مثل:إيكودار: تراث أمازيغي” و”تافراوت: عناصر مكان”، و”أجكال: تراث أمازيغي، “موسم طانطان” و”شاي في التبت- من الأطلس الكبير إلى الهمالايا الكبرى”، منشورات أزيغزاو..وغيرها.

    وقد علل الفنان أوبرايم على هذه الحصيلة المشرفة بكون: “سرُّ النجاح في أي إبداع، هو أن يشتغل المرء باستمرار وبحب العمل الذي يقوم به، وقد يكون له بالتأكيد طعم خاص إذا رافقه اعتراف من الأهل ومن المقربين“.

حب الطبيعة.. حب الفوتوغرافيا

    في مرحلة إبداعية سابقة اتسمت بالاشتغال على الطبيعة، سبق لنا كتابة نص حول أعمال الفنان أوبرايم التي تؤرِّخ للمرحلة المذكورة (الصفحة الثقافية ليومية بيان اليوم- الاثنين 6 يوليوز 1999، هذا مقتطف منه: “الطبيعة في فوتوغرافيا الفنان سعيد أوبرايم عبارة عن تكاوين مرئية يتلاعب فيها الضوء والظل بأهم درجاتهما (اللونية)..طبيعة مبنية غالبيتها على التضاد الجمالي القائم بين الألوان الداكنة والألوان الفاتحة، حيث يتوسَّع النظر وتتمدَّد الرؤية- اللذة البصرية داخل وعبر مشاهد طبيعية على مداها الواسع والرحب.

   إن الفنان سعيد أوبرايم لا يصف الطبيعة فحسب، بل يُعيد صياغتها ويتحكم في اقتراحاتها عبر آلته الصغيرة واضعاً بذلك القارئ (المستهلك البصري) أمام خيارات متعدِّدة من القراءة والتأويل لاستكناه خباياها وأسرارها، بل والنفاذ إلى معانيها. الصورة الفوتوغرافية بهذا الشكل الذي يقرِّره الفنان عبارة عن معالجات ضوئية وظلية تستدعي كل قراءة (أو محاولة قراءة) فكَّ رموزها وتفتيت شفرات إرساليتها الأيقونية بصرف النظر عن التيمة التي تنبعث من عمقها.

    فالفنان سعيد أوبرايم يعرف جيِّداً كيف يرسم جسد فوتوغرافياته بكثير من التأمُّل في الطبيعة. ولهذا يمكن القول بأنه أبدع كثيراً في البحث و”التنقيب” داخل المسافة الفاصلة بين طبيعة فوتوغرافياته..وفوتوغرافيا طبيعته..أليس في ذلك حبّاً للطبيعة..وللفوتوغرافيا أيضاً؟

كأس شاي في التبت

    من المغرب إلى التبت، هو عنوان مغامرة إبداعية محفوفة بالكثير من الأحداث والمفاجآت، خاضها الفنان الفوتوغرافي سعيد أوبرايم سنة 2010 بكثير من التحدِّي والهوس الإبداعي..ويعود اليوم ليحكي جزءاً من تفاصيل هذه المغامرة بلغة مرئية، عبر صور فوتوغرافية تعبيرية تجسد تجربة إبداعية استثنائية: “كان علي أن أستقل القطار لأصل إلى عاصمة التبت على طول طريق سككي يبلغ علوه 5075 مترا فوق سطح البحر”، مشيرا إلى أن هذا القطار المجهز بأقنعة للأكسيجين ظل يخترق الهضاب والجبال المكللة بالثلوج لمدة 23 ساعة، قبل أن يصل إلى منابع أكبر الأنهار بآسيا. مضيفاً: “من الصعب أن أشرح لماذا أرغب بالسفر والترحال، فأنا لم أشاهد التبت بل أحسسته، وسأظل أحفظ في ذاكرتي تلك اللحظات الهاربة التي أود الاستمتاع بها واستعادتها حينما أعود إلى بيتي بأكادير، ليخلص بالقول إلى هذا الاعتراف: علي أن أقر بأنني عشت تجربة الاغتراب بشكل معكوس بفعل هذا التطابق لأنني، في العمق، ذهبت لأكتشف الاختلافات بين الثقافات والبشر وانتهيت في آخر المطاف إلى اكتشاف نقاط التشابه”.

    لقد تابع الجمهور الأكاديري جوانب من هذه الرحلة الإبداعية من خلال المعرض الذي أقامه الفنان خلال أبريل/ ماي 2015، بالمتحف البلدي للتراث الأمازيغي بمدينة أكادير، تميَّز بعرض مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي التقطتها عدسة الفنان أوبرايم خلال الرحلة المذكورة التي أوصلته إلى جبال الهمالايا.

    وأكد سعيد أوبرايم، عاشق الأفلام الوثائقية والدراسات الأنثروبولوجية والأسفار، أن هذا المعرض الذي حمل عنوان “كأس شاي في التبت: من الأطلس الكبير إلى الهيمالايا الكبرى” ضم 36 لوحة تم نسخها للمرة الأولى على القماش، مبرزاً أن من جميع أسفاره، التي قادته من مرتفعات الأطلس وكثبان الرمال بالجنوب المغربي إلى الصين و الهند والنيبال مرورا بتركيا أو بغينيا الاستوائية، وانتهاءً إلى التبت قد اكتسبت طعما خاصا وفريداً.

    بهذه المناسبة، صدر كاتالوغ من النوع الرفيع خصَّه الكاتب والشاعر حسن وهبي بنص تقديمي من بين ما جاء فيه: “إن ما يصل إلينا حينما ندقق النظر في هذه الصور هي مقاطع من الحياة، جغرافية إنسانية، أوجه وأوضاع، أي ما يجعل الأشياء البسيطة قادرة على فعل المفاجأة”. مضيفاً “أن زائر المعرض، وهو ينتقل من صورة لأخرى، قد يجد نفسه أمام حالة من عدم الإشباع أمام تدفق المشاهد والصور، لكونها تبعث اهتماما متجددا بهذا الكم الهائل من الأشكال القادمة من بعيد “يحملها مصور فوتوغرافي من هنا، من جنوب المغرب”.

    وكما واكب ذلك الزملاء بالمكتب الجهوي لوكالة المغرب العربي بأكادير -مشكورين-، فإن معرضكأس شاي في التبت“، قد كشف، من خلال التدرج المتقن للوحات المعروضة، عن تماوج غني من الحالات والمشاهد الإنسانية الدافئة ضمن جو روحاني تزيد من عمقه وعبقه كثافة أدخنة البخور والصمغ والأعشاب المحترقة، على خلفية أديرة للرهبان البوذيين وهم يؤدون صلواتهم وطقوسهم في ظل رايات وأعلام متعددة الألوان، كل لون فيها يرمز إلى أحد عناصر الطبيعة. مضيفين كيف أن الفنان أوبرايم كان يتابع مشهد فرق فولكلورية من التبت وهي تسوي سطح أحد الأديرة على إيقاع من الغناء والرقص شبيه إلى حد بعيد بأغاني فرق موسيقية نسائية من منطقة تافراوت، أو حالة ذلك الرجل البوذي الذي جاء ليؤدي طقس الحج بترانيم أشبه ما تكون بأغنية “أجماع” التي تؤديها فرق أحواش بتارودانت.

من الأفق الوطني إلى العالمي

    يربط الفنان الفوتوغرافي سعيد أبرايم انتماءه الإبداعي والفني بجمعيات أجنبية، لكونه نتيجة استكماله للتجول والسفر الدائم لجل ربوع الوطن، وحصيلة انفتاحه على أوروبا منذ سنة 2008. ويؤكد بأن الاعتراف الذي ناله سنة 2014 من طرف المنظمة الأمريكية للتصوير الفوتوغرافي جاء نتيجة استكمال مجموعة من الشروط الإبداعية والجمالية المطلوبة، معربا في الآن نفسه عن أسفه حول واقع التصوير بالمغرب وأمله في تأسيس فيدرالية للصورة بالمغرب، كما جاء في نداء أكادير لتأسيس الفيدرالية المغربية للتصوير الفوتوغرافي.

    ويفسِّر ولعه وسرّ ارتباط أعماله الفنية بمجال الجنوب المغربي بالضوء الذي يميز منطقة الجنوب وسوس قياسا مع مناطق عديدة في العالم. كما يرجع فضل انخراطه في مجالالفوتوغرافيا  إلى مرحلة الدراسة بتوجيه من أستاذه  الفرنسي مونتاغو الذي كان يرافقه في سفره ورحلاته لجنوب المغرب، حيث تولد لديه الارتباط بالصورة وبعالم المرئيات عموماً.

    وبالنظر إلى كل هذه المنجزات الفنية المضيئة والمشعة، يصحُّ القول كون الفنان سعيد أوبرايم صار واحداً من المبدعين الفوتوغرافيين المغاربة القلائل الذين تجاوز صيتهم حدود الوطن، بفضل فنه الجاد وأبحاثه المتتالية، وأيضاً بفضل كدِّه واجتهاده الإبداعي المتواصل في مجال اختصاصه، وقبل ذلك بفضل إنسانيته وسعة فكره وخياله..

اظهر المزيد

مواضيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: