في الواجهةقالت الصحافةكتاب وآراء

ماجـد صالح السامرّائي: العودة إلى طه حسين

مجلة أفق

العودة إلى طه حسين ماجـد صالح السامرّائي* كتاب وآراء – أفق في تشرين الأوّل (أُكتوبر) قبل خمسة وأربعين عاماً، تزامن رحيل الأديب والناقد والمفكّر طه حسين ونار “حرب أكتوبر” المُشتعلة، فغطّى حدثُ الحربِ على حدث غيابه، هو “مالئ الدنيا وشاغِل الناس” على مدى يقرب من ثلاثة أرباع القرن، حاملاً إليهم إشراقات المعرفة التي ستنقلهم إلى حياة جديدة أرادها هذا “الرجل الفرد” لـ”الإنسان جميعاً”.

فهو في ما جاء به من توجّهات جديدة، ومجدِّدة، كان قد عيَّن للثقافة طريقَ مستقبلها، مُدركاً، بحسّه الثقافي ذي التكوين التجديديّ، أنّ التجديد ينبغي أن يكون سمة عصره، مزيحاً التقليد الذي كان متغلّباً على موقف الإنسان المجتمعي، فراح يسنده برؤية ثقافيّة دفعت بالعصر إلى تبديل مقاييسه بفتْح درب المعرفة من خلال جعْل التعليم حقّاً للجميع، وإشاعة رؤية ثقافيّة تُحلّ التجديد محلّ التقليد، فكان أن عمل على ما من شأنه أن يفتح الأُفق لرؤى مستقبليّة أوسع وأشمل.

ولأنّ التراث كان المتغلِّب على الواقع الثقافي وعلى عقل المثقّف، رؤيةً ومَوقفاً، فإنّه بدأ في كِتابه “في الشعر الجاهلي” (1926) مُساءلةً أثارت حفيظة التيّار التقليدي الذي وجده ينقض، في ما يقول، غير قليل ممّا لهم من رأي سائد وقَول مُتداوَل فيه. أمّا هو فقد قرأ التراث قراءة نقديّة انبنت على حكم العقل، والأخذ بمبادىء المَعرفة، مجرِّداً إيّاه من قبليّات الرؤية والرأي. وقرأ، بالتوازي مع هذا، الثقافات اليونانيّة، والإغريقيّة، والأوروبيّة الحديثة، فوجد في الأولتَين أساساً لمنظورٍ فلسفي شامل للمعرفة والوجود، ووجد في الأوروبيّة الحديثة ما يُمكن أن يُتَّخَذ منه منطلقاً تأسيسيّاً لنهضة ثقافيّة جديدة على النحو الذي كان يفكّر فيه، جاعلِاً منها عماد مشروعه النهضوي – التجديدي. وحين أراد، ودعا إلى التأسيس لثقافة عربيّة حديثة، جديدة المكوِّن والتكوين، شفع نظرته هذه بمَوقفٍ نقدي، وعزَّز أطروحاته فيها بفكرتَيْ التغيير/ المُغايرة، والتحوّل إلى الجديد، الذي سيشكِّل الأساس الفعلي للحداثة العربيّة، فهو الرّاسِم الأوّل لأُفقها في الثقافة العربيّة. ولأنّ هذا كلّه مرتبط بالحريّة، فإنّ “حريّة الفكر” من القضايا الأساس التي أخذها طه حسين بالاهتمامفكراً وتفكيراً، واضِعاً إيّاها في محورَين: حريّة التفكير (التي تحكم انشغالنا بما ينبغي أن يكون للعصر من توجّهات)، وحرّية التعبير (في ما ترسم من مسارات جديدة لكلٍّ من الإنسان والثقافة، انتقالاً بالمجتمع إلى غدٍ مُغاير). وفي ما وَضَع، وكَتَب، وفيه تكلَّم، صَدَر عن رغبة حقيقيّة في إحداث التحوّل المجتمعي على أُسس ثقافيّة واضحة تؤمِّن مساره الحضاري الجديد. ولم يكُن “مفكّراً يقينيّاً” إلّا في هذا التوجّه، فقد وَجَد أنّ تمسّكه به منعقد المآل، تحقّقاً، على “الإنسان الحضاري”. لذلك عمل على تكوين هذا الإنسان وإقامة كيانه المجتمعي على مثل هذه الأُسس. وفي هذا السياق يُمكن النَّظر في/ وقراءة الموضوعات والقضايا التي تناولتها كتاباته.. فهي لم تكُن “موضوعات رخوة”، ولا “ضيّقة الفسحة” في ما تفتح من أُفق.. لذلك كان له أن يتحرّك بوضوح، وبوعيٍ شامل يضمّ الإنسان عقلاً،والمجتمع مُحيطاً إنسانيّاً، فاتِحاً الأفق لـ”رؤية جديدة” أمام عصره قائمة على المُغايَرة والتغايُر مع كلّ ما هو تقليدي، فقد أرادها تدشيناً لعصر جديد، كان الرائد المميَّز فيه. وقد تكوَّنت ثقافته هذه وتبلْوَرت، صياغات وتوجّهات، من طريقَين:
  • القراءة التي أثْرتْ تكوينه الثقافي في بُعده المعرفي، وحرّكتْ كتاباته في اتّجاه مشكلات وقضايا مكمِّلة لما قرأ. فالقراءة عنده مشاركة، إن بالسؤال أو من خلال الجواب؛ وهي عمليّة تأسيس لرؤى وأفكار، فضلاً عمّا تُبلوِر من توجّهات. كما هي عمليّة تأسيس بما تحفِّز إليه من رؤى وأفكار تحكم المُغايَرة، وتُبلوِر منظورات التغيير، ومُعايَشة المجتمع في ما أراد له من بُعد يشكِّله وجودٌ ثقافي متميّز التكوين.
  • التأسيس لمنظورٍ جديد من مَهامّه بناء العقل الثقافي العربي على أُسس موضوعيّة، إن أخذت نفسها بالتحديث والتجديد فلتأخذ بذلك من دون تطرّف.
وكما لم يكُن “قارئاً متوجّساً” فإنّه لم يكُن “كاتِباً متوجّساً”، مُدركاً، في هذا، أنّ التوجّس قد يذهب بحكمة المثقّف. وقد ظلّ في ما كتبَ منشغلاً بسؤالَين: السؤال الذي تثيره القراءة بما تفتح من آفاق معرفيّة.. وسؤال البحث عن آفاق جديدة للحياة المعيشة وللتفكير الذي ينبغي أن يكون لها/ وفيها.. مُغالِباً هذا بتعدّد وجوه الكتابة عنده (القراءة النقديّة لكلٍّ من التراث والتاريخ، والمقالات التي تابع من خلالها شؤون الأدب والثقافة، والتعريف بآداب الآخر، والأعمال التي يُمكن تنزيلها منزلة الإبداع). ولم يكُن هذا التعدّد في وجوه الاهتمام والتوجّه عنده مَوضع تشتّتْ، وإنّما هو تجسيد لغنى الذّات منه. لذلك جاء ما أنجز عبر نحو ثلاثة أرباع القرن من الكتابة والعمل الفكري والأدبي والثقافي مصدر إغناء عقلي لعصره، الذي سيمتدّ به الزمان، حيث ما يزال.
وكما لم يكُن “قارئاً متوجّساً” فإنّه لم يكُن “كاتِباً متوجّساً”، مُدركاً، في هذا، أنّ التوجّس قد يذهب بحكمة المثقّف
فقد حمل من أسئلة الحداثة الأوروبيّة ما جَعل من الرؤى والأفكار التي بها بشّر مصدر تحوّلات فعليّة في الثقافة العربيّة في النصف الأوّل من القرن العشرين، وهو الذي أخذ نفسه بثقافة التنوير ومكوّناتها الثريّة بما جعل من كتاباته “مصدراً” لاستحداث قيَم جديدة، إنْ في مستوى الثقافة نظرةً وإبداعاً، وإنْ في مستوى الفكر النقدي الذي جعل منه “صورة أُخرى” من صُور الإبداع، لا فُسحة للاستعراضات النظريّة.. متوجِّهاً إلى المجتمع الذي شخَّص مساره فيه من خلال إشاعة التعليم،وجعْل التعلّم ثقافة ومعرفة، وليس محواً للأميّة الأبجديّة فحسب. وإذا ما أخذنا الحداثة كونها عمليّة تحوّل كليّ الجذريّة في الثقافة وخطابها، وحالة انبثاق لأسئلة جديدة من شأنها صَوغ العقل الإنساني والواقع الذي يتحرّك فيه، وجدناها، في هذا، قائمة (أو ينبغي أن تقوم) على النقد والتأسيس ـ وهذا ما اختطّه طه حسين، مشكِّلاً بذلك تطوّراً فعليّاً في النقد العربي المُعاصر نجد فيه خلاصة ثقافة ذات تكوين عماده الرؤية بأُفق مفتوح، وبتطلُّع عماده المستقبل. وقد انتقل في هذا من التأثّر بما لرأي “الآخر” من عماد معرفي (كما في كِتابه “في الشعر الجاهلي“، وتماهياته فيه، رؤية ورأياً، مع “مارجليوث” في نظرته الاستشراقيّة)، أو محاولة الأخذ بالرؤية الثقافيّة لهذا “الآخر الأوروبي” (كما في كتابه “مستقبل الثقافة في مصر“- 1938 الذي مثّل فيه بُعداً تغريبي التوجّهات، وبمنحىً ليبرالي واضح)، مؤكِّداً أنّ علينا اتّخاذ المَسار الذي اتّخذته أوروبا، فنفعل ما فعلوا، لنخرج من عزلتنا وتأخّرنا.. مؤكّداً أنّ الثقافة، بما يجتمع لها من آداب وفنون ومنطلقات فكريّة، يُمكن أن تلتقي وتتفاعل تفاعلاً إبداعيّاً حيّاً، داعياً إلى تحريك “الرؤية الجديدة” هذه بعوامل الانفتاح على الآخر، لا بالانكماش دونه ومُحاصَرة الذّات. فالمسيرة الثقافيّة، لكي تكون حيويّة وحيّة، ينبغي أن تخلق لنفسها من حالات التماهي مع “الآخر الأوربي” ما ينأى بها عن أيّ انغلاق. وأراد لنفسه، من هذا المسار الذي اتَّخذ، أن يكون صاحب أفكار، ولديه اهتمامات قريبة، إن لم تكُن شبيهة، من اهتمامات مَنْ قرأهم في ثقافات أُخرى، وأُعجِب بأطروحاتهم، عاملاً، في الوقت نفسه، على الجمْع بين عالَمَين: عالَم الثقافة الغربيّة، وعالَم الثقافة العربيّة، مُستمِدّاً من عمليّة الجمْع هذه ما تبنّى من قيَم ومعايير جديدة.. فالثقافة الأوروبيّة، التي رأى أنّنا ينبغي ألّا نكون بعيدين منها ولا بمعزل من فتوحاتها، هي التي ألهمته الرؤية النقديّة الجديدة التي راح يتبصّر بها ما أراد لثقافة القرن العشرين أن تكون به/ وعليه من تطوّر، لنُحدثَ تطوّرنا. وفي هذا كان اهتمامه الثقافي والفكري قد تمثّل في توجّهات يُمكن حصرها، تعييناً بما لها من خصائص موضوعيّة، في التراث، بما فيه التاريخ، وقد أخضعه لقراءة عميقة أخذَت بمعايير الثقافة الحديثة وما لها من أُسس نقديّة. وفي هذا وذاك تعيّنت عنده “لغة الخطاب” التي جعل منها لغة جامِعة بين مَتانة “الأصل اللّغوي” المُنحدِر من التراث، و”حداثة التعبير” الذي فتح لـ”عقل المتلقّي” أُفقاً صاغ فيه العقل المفكّر شعريّته الخاصّة، فكانت “لغة طه حسين”. وقد حرص، كما يبدو، على المُحافظة على دوام تأكيد هذا،وتكريسه بُعداً لما اتّخذ من نهجٍ خاصّ في الكتابة اعتمد ما يُعرف بـ”شعريّة التعبير”. ولكن، هل كان يفكّر بيقين ويكتب بمثله؟ لعلّه كان يفكّر بقلق ويكتب بيقين. فالقلق هو ما جَعَل كتاباته ذات بُعدٍ إبداعيّ مميّز، لغةً وتفكيراً، مع صرامة عقليّة ميّزت بعض كتاباته بحدّة المُواجَهة. *كاتب وناقد من العراق  
اظهر المزيد

صابر جهاد

صحافي محرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواضيع

إغلاق