أخبار وطنيةفي الواجهة

الخرازة تعيش زمن المتناقضات.. معاناة يومية تندر بزوال الحرفة (استطلاع)

الإعلامي – المجتمعي

أشرف النقاش

 

العشرات من المعامل المتخصصة في صنع الأحذية، متناثرة بمختلف أزقة حي المعاريف بالدار البيضاء، تجاورها من ذات الشمال وذات اليمين، ورشات صغيرة لحرفة الخرازة، الدخل قار لمزاولي هذه الحرفة، وتوافد الزبناء يبدو مرتفعا.

هذه الصورة باتت معلقة فقط على جدران سنوات سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، أما الآن فلم يعد أثر لهذه المعامل، وحتى محلات الخرازة اندثرت وصار من يتمسكون بها مثقلين بحملين، فإما أن يرضون بـ” قلة المردود” صونا للقمة العيش، أو لا لشيء سوى الإيمان بالمثل الشعبي “حرفة بوك لا يغلبوك”.

زبناء من نوع خاص

” الزبون هو سيد الموقف والمدخول يظل مرتبطا به” عبارة رددها حسن، إسكافي بحي المعاريف، مرات عديدة، فعند نهاية كل شهر، فترة الحصول على الرواتب والأجور، تزدهر الحرفة ويعرف محله إقبالا لا يخلو من الأهمية بخلاف باقي أوقات السنة. تعامله الدائم مع زبناء مغاربة يصفه حسن بـ”غير الجيد”، فلابد له وأن يقع في مشاكل تتعلق بثمن إصلاح الحذاء واحتجاجه بمقولة ” ماذا صنعت؟ أ سكبت علبة الغراء بأكملها”.

ويوضح حسن، وهو رجل خمسيني، مارس المهنة منذ 1976، أن الأفارقة ومغاربة المهجر هم المقبلين بكثرة على إصلاح الأحذية وفي بعض الأحايين السياح الأجانب، ومرد ذلك الكلفة الباهظة التي يتكبدونها في بلدانهم، عند حاجتهم الماسة لإصلاح ما ينتعلون.

أسباب مختلفة والمصير واحد

في حي يوصف بالراقي ك” المعاريف” يوجد ما لا يقل عن ثمانية إسكافيين فقط، رقم مخالف تماما لما هو عليه بعض الأحياء الشعبية بالعاصمة الاقتصادية، التي ما زال قاطنوها متشبثين بثقافة اللجوء إلى صانع الأحذية، هذه الفكرة يؤكدها المدني، واحد من الاسكافين القدامي، الذي زاول المهنة قبل أربعين سنة، بنفس الحي المذكور.

المدني عرى عن ظروف اشتغاله ” غير المواتية”، غير أنه يحب مهنته وهو الأمر الذي يجعله يتشبث بأي خيط مهما كان رفيعا للبقاء فيها تحت رحمة ” غياب البديل”.

“شراء الجلد مكلف، المنتجات الصينية اكتوينا بنارها” بصوت هادئ اختزل المدني أسباب القساوة التي صارت عليها الحرفة. ولفت، في معرض حديثه، حالة الكساد التي تنتاب المحل، فكثيرة هي الحقائب الملآى بأحذية الزبناء الجاهزة دون أدنى سؤال عنها.

“المدني”، الذي ينحدر من الجنوب الشرقي للمغرب، وبعد أن هانت قواه وبلغ منه الكبر إلى مداه، شغل معه ابنه العشريني، الذي هرب من شبح البطالة ليجد نفسه في بطالة أخرى، إذ يكتفي فقط بمسح وتلميع الأحذية في خطوة لملء سويعاته أو التسمر أمام شاشة التلفاز الموجودة بالمحل.

الخرازة

حرفة مستمرة وصحة متدهورة

محل الإسكافي حسن بالرغم من أنه “بسيط” من حيث التزيين والشكل، إلا أن صاحبه بآلة عصرية لخياطة الجلد وغراء من النوع الممتاز تفاديا لأية مخاطر صحية، فعادة عند الاشتغال  يكون عرضة لضربة بالمطرقة أو مسمار حاد، يقول حسن في هذا الصدد ” الإضرار بالصحة أمر لا مفر منه، فمع مرور الوقت يشعر الحرفي بضعف في النظر وحساسية في الجلد” ويردف حسن بتذمر ” 12 ساعة من العمل والانغماس في روائح المواد الكيميائية يتلف لا محالة صحة الفرد، ونصيحتي لنفسي ولغيري، من الأفضل التنحي عن هذه الحرفة في قادم العمر” ويستدرك  بنبرة واثقة ” الحرفة لن تزول أبدا مهما كلف الأمر “.  وقد عزى حسن أسباب تراجع حرفة الخرازة إلى قلة الصناع المحترفين، وهذا هو الفيروس الذي نخرها على حد تعبيره.

الإهمال والطريق نحو الاندثار

أمتار قليلة تفصل الإسكافي حسن عن محمد، صاحب محل مرتب، نظيف وصغير لا يتسع سوى لآلة الخياطة وشريط أحذية معلقة على الجدران.

“محمد”، رجل ستيني، يطالع إحدى الصحف اليومية، ويحكي بحرقة عن أمجاده في الحرفة التي ودعها منذ زمن، ” الصناعة توفيت، والزمن تغير، وأنا ظللت هنا، ربحي الوحيد هو كثرة الجلوس والتنقل بين أرجاء المحل”.

“محمد” أب لابن ثلاثيني عاطل عن العمل، شاخ في حرفة الخرازة حسب تعبيره، فلم يتوقف محله عن العمل منذ عهد الاستعمار ماعدا في العقد الأخير..

الإسكافي محمد ما هو إلا مثال لعدد من ممارسي هذه الحرفة، التي دنا موعد “انقراضها”، في وقت لم يولى أي اهتمام لهذا المخاض العسير الذي أصاب هذا النوع من الصناعة، وهو ما دفع محمد إلى التساؤل ” أين نحن من هيكلة قطاع الصناعة التقليدية وإعادة الحياة إليه؟”

وضعية محمد باختصار، تترنح بين سندان غزو المنتجات الصينية للسوق المغربية، ومطرقة الضرائب وفواتير الكهرباء، وهو ما يزيد الطينة بله خاصة حينما لا يقوى على تأمين معيشه اليومي الذي لا يجاوز 7 دراهم في اليوم، وأحيانا يمسي خاوي الوفاض من محله.

الوسوم
اظهر المزيد

مواضيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: