إطلالة ثقافيةفي الواجهة

الاحتفاء بالجماليات البصرية لبدو الصحراء

المعرض التشكيلي الثالث بطانطان

اختتمت يوم الأربعاء 19 يونيو 2019 فعاليات النسخة الثالثة للمعرض التشكيلي السنوي الذي نظمته جمعية أصدقاء متحف الطنطان تحت شعار “جماليات من الصحراء” في ساحة الكورنيش بتنسيق مع المدرسة العليا للفنون الجميلة (الدار البيضاء)، وبدعم من وزارة الثقافة والاتصال- قطاع الثقافة ومؤسسة الموغار وذلك بمناسبة النسخة 15 لموسم طانطان.

 

     فسيفساء تراثية

تشكلت هذه الفسيفساء على ضوء أشغال ورشة فنية في مجال التعبير الصباغي أقيمت بالثانويتين الإعداديتين علال بن عبد الله والمسيرة الخضراء أيام 25- 29 ماي 2019 أطرها الأساتذة: الرَّاكَب الحَيْسن، ياسين الشرايبي وعبد الإله قندادي وشارك فيها 24 تلميذاً موهوباً يدرسون بالمؤسسة، وهم: خالد قاندو، أوزال عمر، البركاوي عبد الصمد، حسام اسليلم، ابراهيم أيت مشة، سفيان طالبي، سفيان بن طويلب، أيمن بنتونسي، عمر بوكزي، عمر هباد، نورة مسموح، ابتسام السماني، ندى طياري، عبد السلام بديه، محمد صياد، سمية أوحسين، حفصة بستيري، فاطمة الزهراء رجي، أمين طالبي، سلمى كندي، ياسمين العجيني، وئام البختي، ابراهيم بوعزرون ومحمد مجعاط.

وقد تنوَّعت المواضيع والأساليب الفنية التي طبعت الأعمال المنتقاة لهؤلاء التلاميذ المبدعين إذ شملت قوافل الصحراء ومسكن البدو ولباسهم، إلى جانب نماذج من فنونهم الشعبية وغير ذلك من المواضيع التراثية التي صاغوها بتقنيات تعبيرية تأرجحت عموماً بين الرسم الواقعي والانطباعية اللونية، وذلك على سند الخشب المسطح بمقاسات موحدة 30×30 سم إلى جانب سنائد أخرى ذات أشكال دائرية تمَّ تركيبها على شكل “فسيفساء تراثية” تحتفي بالثقافة والتراث المحلي، فضلاً عن إنجاز عمل جماعي مركب من سنائد مدوَّرة قامت على التجريد والرموز المستوحاة من الثقافة البصرية في الصحراء.

موازاة مع ذلك، تمَّ عرض أعمال جديدة بمقاساة مُغايرة  أنجزها ثلاثة تلاميذ فازوا خلال مسابقة السنة الماضية تحفيزاً لهم على الاستمرارية ومواصلة الإبداع. أما نتائج مسابقة هذه السنة، فقد آلت إلى التلاميذ الموهوبين الآتية أسماؤهم: خالد قاندو عن إعدادية علال بن عبد الله وياسمين العجيني وحفصة بستيري عن إعدادية المسيرة الخضراء.

ولا شك أن حصيلة هذه الورشة الفنية ستساهم لا محالة في تحفيز الناشئة على الانخراط المتزايد في مجال الإبداع التشكيلي والتصوير واستثمار مختلف الوسائط والخامات المحلية للتعبير جماليّاً عن موروثهم الثقافي وفنونهم المحلية المستوحاة من تربة الصحراء..

 

     معرض تشكيلي بحس بيداغوجي

افتتح المعرض يوم الأحد 16 يونيو 2019 بحضور السيد فاضل بنيعيش رئيس مؤسسة الموغار والسيد حسن عبد الخالق عامل إقليم الطنطان وجمع من الفنانين والمهتمين، وقد أقيم لأول مرة بالهواء الطلق وتحديداً بساحة الكورنيش بطانطان، وقد شارك فيه مبدعون من المناطق الجنوبية، هم: الراكب الحَيْسن، ابراهيم الحَيْسن، محمد ياسين الشرايبي، عزيز الباكوري (الطنطان)، عبد الباقي راجي إله، محمد فرح (العيون)، عبد الحميد طيرا (بوجدور)، السعيد أوشين (كَليميم)، يوسف الدرقاوي، هناء راطي الطالب، محمد صابون (سيدي إفني)، إلى جانب ضيف الشرف المحتفى به الفنان التشكيلي النحات والخزَّاف موسى الزكاني (الدار البيضاء)

من مميِّزات هذا المعرض أن كل الفنانين المشاركين أساتذة للتربية التشكيلية يمتهنون تدريس هذه المادة بمجموعة المدن الجنوبية، وهم بذلك يمارسون فنَّهم بخلفية بيداغوجية وبوعي معرفي موازٍ يقعِّد للممارسة وأشغال المرسم، زد على ذلك عدم اقتصار المعرض على إنتاج اللوحات الصباغية باعتبار أن بعض الفنانين المشاركين اختاروا خلال هذه النسخة المشاركة بأعمال نحتية ومجسَّمات وتركيبات فنية معاصرة، وهذا أمر مهم يضفي على المعرض بعضاً من التنوُّع والتعدُّد التشكيلي الذي قلما نشاهده في كثير من المعارض المماثلة.

في هذا المعرض تجانست عديد من التعبيرات والأساليب الصباغية والتشكيلية غير المؤتلفة ويبرز فنانون شباب يعجُّون بالأمل والحماس، فكانت للألوان والرموز والعلامات الأيقونية والأشكال والكتل والتراكيب والمواد إيقاعات متنوِّعة مشخَّصة في بعض اللوحات والقطع التشكيلية..وتجريدية في أخرى ناطقة بأصوات متعدِّدة..صارخة ومتوترة، إلى جانب بروز تعبيرات تشكيلية جديدة تستنبت جذورها من الإبداعات الوافدة المسمَّاة بـ”فنون ما بعد الحداثة”..

بالمناسبة، صدر كاتالوغ من القطع المتوسط ضمَّ السير الفنية وأعمال الفنانين المشاركين تصدَّره نص تقديمي باللغة العربية للناقد ابراهيم الحَيْسن عنوانه “الفن في الصحراء” قام بترجمته إلى اللغة الفرنسية الناقد الفني عبد الله الشيخ، إلى جانب نص تقديمي آخر باللغة الفرنسية للناقد حسن لغدش بعنوان “فْريكْ تشكيلي”.

 

     تكريم وندوة تخصُّصية

خلال الافتتاح الرسمي للمعرض تمَّ تكريم الفنان التشكيلي الطلائعي موسى الزكاني تقديراً لمنجزه النحتي والخزفي الذي أغنى الساحة الفنية العربية والمغربية على امتداد سنوات طويلة من الخَلق والإبداع وقد قدَّمت له الجمعية تذكاراً رمزياً أنجزه أحد الصناع التقليديين بالمدينة تسلمه من يَدِ السيد فاضل بنعيش رئيس مؤسسة الموغار وهو يرتدي الدراعة الصحراوية، إلى جانب تنظيم ندوة تخصُّصية بالخزانة الوسائطية مساء يوم السبت 15 يونيو 2019 تمحورت حول تجربته الإبداعية بمشاركة الفنان المصمم سعيد كَيحيا مدير المدرسة العليا للفنون الجميلة في الدار البيضاء وكذا الناقدين التشكيليين عبد الله الشيخ وحسن لغدش، مع عرض وتحليل شريط سمعي بصري (8 د.) يؤرِّخ لتجربته الصباغية بعنوان “موسى الزكاني، الفنان الرحال” أنجزه الطالب عبد الرحمان رقيد من المدرسة. عقب المدخلات، ألقى المحتفى به كلمة عميقة ومؤثرة لم يقو على تتمتها بفعل الدموع التي أذرفها تلقائياً وقد شكر فيها منظمي هذا المعرض ومثمناً هذه الالتفاتة التي اعتبرها ولادة جديدة قبل أن يستعرض بعض التفاصيل الجميلة التي رافقت مراحله الإبداعية. وكانت هذه الفقرة استهلت بكلمة للجمعية المنظمة ألقاها الناقد ابراهيم الحَيْسن تعزَّزت بعرض شريط فيديو (3 د.)  يوثق للنسخة السابقة من هذا المعرض أنجزه الفنان التشكيلي عزيز باكوري.

بالمناسبة، أعدَّت جمعية أصدقاء متحف الطَّنطان كتيبا توثيقيّاً بعنوان “موسى الزكاني: شاعر الخزف الفني في المغرب” تضمَّن نصوصاً نقدية مضيئة وشهادات حول المنجز الجمالي لهذا المبدع المتميِّز، وذلك بمساهمة نخبة من أصدقائه الفنانين والنقاد، هم: عبد الكريم الغطاس، حسن المقداد، عبد الله الشيخ، محمد الشيكَر، ابراهيم الحَيْسن، حسن لغدش وسعيد كَيحيا.

خلال المساء، وبفضاء ذراع الخيل الذي ينبت غرب مدينة الطنطان، أقيم داخل خيمة صحراوية حفل عشاء على شرف المشاركين تميز بتنظيم جلسة تقييمية على إيقاع شرب الشاي الصحراوي وحليب النوق وقد أطرها ونشطها النقاد والفنانون المشاركون، حيث خلصت إلى استصدار مجموعة من التوصيات والتدابير التي تدعو إلى تطوير التجربة الفنية الجنوبية من خلال إقامة ورشات تكوينية لاسيما في تقنيات الخزف الفني، إلى جانب توصية أخرى دعت إلى تجميع مختلف السنائد والوثائق والصور المتعلقة بتجربة الفنان موسى الزكاني في أفق الاحتفاء به على نطاق أوسع وإنجاز مونوغرافيا من النوع الرفيع توثق لمساره التشكيلي الحافل بالفن والعطاء، وامتدت التوصيات أيضاً لتشمل فكرة احتضان المدرسة العليا للفنون الجميلة في الدار البيضاء لمعرض تشكيلي خاص بفناني المناطق الصحراوية وتنظيم مائدة مستديرة موازية حول المشهد الفني بهذه المناطق.

وفضلاً عن الحضور اليومي المكثف لساكنة المدينة، حظي المعرض بتغطية إعلامية واسعة ساهمت فيه صحف وطنية وعربية ومواقع إلكترونية متنوِّعة، إضافة إلى الروبورتاجات المصوَّرة التي أنجزتها قناة العيون ووكالة المغرب العربي للأنباء والقناة الثانية (دوزيم).

لقد تركت فعاليات هذا المعرض أصداء طيبة لدى المشاركين والحاضرين الذين ثمنوا هذه التجربة الفنية الجماعية واعتبروها فرصة سانحة للتعريف بالطاقات المبدعة بالأقاليم الجنوبية وبما تكتنزه هذه المناطق من موروث ثقافي وتعبيرات فنية محلية بهية أضحت تمثل سنداً وملهماً مرجعيّاً للفنانين التشكيليين، مؤكدين على ضرورة دعم هذه التجربة وجعلها موعداً سنويّاً لاقتفاء أثر بدو الصحراء والاحتفاء بالجماليات البصرية المحلية..

 

الوسوم
اظهر المزيد

مواضيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: