أوراق إعلاميةفي الواجهة

الإعلام والرأي العام (دراسة)

الباحث عبد العزيز المنتاج من جامعة ابن زهر اكادير

الإعلام والرأي العام (دراسة)

تمهيد

اختلفت الأحاديث بشأن ظهور كلمة الرأي العام ،لكنها جميعها تجمع على كونه قديم قدم الانسانية. أي منذ بدء التجمعات السكانية، فالحضارات القديمة قد عرفت الرأي العام، لكن بمسميات قريبة منه، فالإغريق والرومان مثلا كانوا يعبرون عنه “بصوت الشعب” من خلال عقد تجمعات في الساحات العمومية لمناقشة الامور المستجدة. وفى العصر الاسلامي عبروا عنه بالشورى . وفي العصور الحديثة بدأ المفهوم والمصطلح يتبلوران أكثر حيث بدأت تظهر بعض العبارات الدالة مثل (الشعب، الناس، الرعايا، الجماهير ) التي استعملها ماكيافيلي في كتابه الامير[1]، ويبقى مصطلح الجبهة الداخلية من أكثر المفاهيم التي أبدعها ماكيافيلي قربا لمفهوم الرأي العام. بعذ ذلك ظهرت مصطلحات اقتربت من المفهوم، كالعقل العام عند مونتيسكيو، والإرادة العامة عند جون جاك روسو. كما أن هناك من يسميه رأي الشعب أو الإرادة الشعبية . لكن أول استعمال حقيقي للكلمة، من خلال دراسة فعلية للرأي العام ، قد تم سنة 1901 من طرف غابرييل طارد بعنوان « l’opinion et la foule »   “الرأي والحشد”، ليتبعه بعد ذلك والتر ليبمان Walter Lippmann في كتاب بعنوان “رأي عام ” « opinion public »[2] ، والذي يعتبر أول دراسة فعلية، حول وسائل الاتصال وعلاقتها بالجماهير. و قد صدر بنيويورك سنة 1922 .

كلمة الرأي تعني الاعتقاد والنظر والتأمل[3]، و الاعتقاد يكون صحيحا و قد لا يكون كذلك. إنه ليس بمعرفة. والفرق بين الرأي والموقف أن الموقف عبارة عن مجموعة آراء وهو ثابت بينما الرأي متحرك ومتغير تتحكم فيه العاطفة والمحيط ، بمعنى أن الموقف يتحدد مباشرة بعد أسئلة٬  بينما يتحدد الرأي بعد النقاشات و تبادل المعلومات٬ فهو ( أي الرأي ) يتحدد في وسط اجتماعي، فالرأي الفردي يتحكم فيه الاجتماعي ، و مجموعات آراء فردية تكون رأيا عاما.

أما كلمة عام فتعني العموم و الكل وعامة الناس والجمهور …الخ ..

تعريف الراي العام

ونحن نبحث عن تعريف للرأي العام، صادفنا مجموعة كثيرة من التعاريف. اخترنا منها تعاريف  محددة باعتبارها قدمت مفهوما شاملا وواضحا، منها تعريف ليونارد دوب Leonard Dob في كتابه “الرأي العام و الدعاية “، حيث يرى أنه يعني: ” اتجاهات ومواقف الناس إزاء موضوع يشتغل بالهم٬ شرط أن تكون هذه الجماهير في مستوى اجتماعي واحد”[4].   فالرأي العام في نظر دوب Dob هو ثمرة الجدال والنقاش بين الأفراد حيث يسود أحد الآراء على بقية الآراء لنقل الجماعة إلى رأي جديد . أما اندري لالاند André Lalande  فيرى ” أن الرأي العام هو حالة فكرية تكمن في الاعتقاد أن ادعاء أو طرحا هو صحيح ، ولكن مع القبول بأننا قد نكون على خطأ ….”[5] فإذا كان لالاند يقر بإمكانية الخطأ ، فإن Jean S Toetzel  يرى أن الجماعة تدرك أنها تشترك في رأي ما وذلك حين يقول :” إن الرأي العام هو الشعور السائد داخل جماعة اجتماعية ، يرافقه بشكل واضح عند الافراد، انطباع بأنه شعور مشترك فيما بينهم “[6].

دو فيفات مدير معهد الصحافة ببرلين يرى أن: “الرأي العام ـ وحدة أو دربا لخط سير الجماعة بأكملها ـ لاوجود له ـ غير أن هناك رأيا ظاهرا من بين آراء الجميع، غالبا على ما حوله من آراء. أما أن يقال أن هناك رأيا عاما واحدا يعبر عن إرادة الجماعة كلها، ويقره كل فرد فيها فهذا لا وجود له “        

فالرأي العام و من خلال هذه التعاريف هو الاتجاه السائد ووجهة نظر الجماهير حول موضوع أو حدث معين ٬ و هو حالة فكرية و موقف معبر عنه ومجاهر به ، ينتشر بسرعة بين الناس٬ إنه الشعور الغالب داخل المجتمع بشأن مشكلة أو قضية من القضايا ذات الاهتمام المشترك٬ مع إحساس بأن هذا الرأي هو الصواب أو الأقرب إلى الحقيقة .

مميزات الرأي العام

من مميزات الرأي العام أنه :

  • يظل ساكنا حتى تظهر قضية معينة .
  • شامل و معبر عنه من طرف عدد كبير من الناس مع إحساس الجميع بأنهم في نفس الاتجاه.
  • سهل التبلور و يتأثر بالأحداث اليومية و ينتشر بالتدرج.
  • يتميز بحساسية شديدة للأحداث وخاصة الكوارث الطبيعية.
  • ظاهرة متغيرة و متقلبة وغير ثابتة .
  • يفترض وجود حرية و ديمقراطية عند الفرد و الجماعة لأنه لا يمكن الحديث عن رأي عام في ظل الأنظمة الديكتاتورية.
  • يفترض وجود وعي وإعلام و هو ما يجعله رأيا عاما صلبا وثابتا ومتشددا في مطالبه.

أساليب تكوين الرأي العام

تتميز أساليب تكوينه بانقسامها إلى أساليب قديمة و أساليب حديثة، لكنها لاتزال جميعها مستعملة إلى يومنا هذا ، مستفيدة من انتشار وسائل الإعلام و سلطتها :

  • التكرار= أي كرر الكذبة مرة أو مرتين فهي ما تلبث أن تصبح حقيقة .
  • إثارة العاطفة = مخاطبة العواطف عوض العقل و تستهدف الأقل تعليما….
  • الدعاية = البروباغندا أي التضليل ، وقد تكون إيجابية وسلبية….
  • الإشاعة = ترويج الأكاذيب بين الناس .
  • التشهير = مهاجمة الآخرين و التشهير بهم و التحامل عليهم.
  • افتعال الأزمات = لصرف انتباه الرأي العام و توجيهه.
  • تحويل الانتباه = عن المشاكل الحقيقية….
  • إثارة الرعب والخوف = بين الناس لدفعهم لتكوين رأي تطمح إليه الحكومة كما تفعل الحكومات الأمريكية لدفع الناس لقبول الحرب .
  • المحادثة = بين شخصين أو أكثر .
  • المظاهرات والاحتجاجات = تصنع الرأي العام لأنها تهدف إلى التأثير اجتماعيا و سياسيا.
  • عرض الحقائق = كما هي وكان يعتمد هذه الوسيلة ونستون تشرشل باعتبارها الأقوى و الأبقى.
  • وسائل الإعلام و بواسطتها يتم تفعيل كل هذه الأساليب٬ لأنها بجماهيريتها أكثر إقناعا.

الراديو يحقق الحد الادنى من التفكير، والهدف المشترك كما يحفز الناس ويوحد رؤاهم واختلافاتهم.

التلفزيون وهو من أكثر وسائل الاعلام جماهيرية وتأثيرا وإقناعا ،نظرا لسلطة الصورة التي يمتلكها ، فهو يستخدم للإخبار والتثقيف والترفيه والتعليم .

الصحافة : وتعتبر من أكثر وسائل الاعلام تأثيرا على الرأي العام ، لأنها تفضل تناول القضايا السياسية والاجتماعية من زوايا مختلفة، لما للكلمة المكتوبة والمطبوعة من سحر ومصداقية..

الانترنيت : وما يشمله من وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت ذات تأثير عالمي رهيب ، بسبب استفادتها من دمج الصوت والصورة والمكتوب واعتمادها على التفاعلية والسرعة. بالإضافة إلى  كونها جماهيرية و فردية ، خاصة أن الإنسان يميل إلى النزوع نحو النقل copiage  و التقليد Imitation.

يقول جورج رويي G Rouet عن دور وسائل الاعلام في صناعة الرأي العام : “إن الدور الذي يؤديه الاعلام ، إنما يجب أن يتميز بإتاحة ما يمكن من المعلومات والافكار وتدعيم الحوار بين أفراد المجتمع حول قضاياه، ومن خلال هذا الحوار يتحقق للأفراد الشعور الايجابي بالمشاركة في الحياة العامة ودفع الجميع للتفكير في الحلول السلمية لمشاكلهم العامة.”[7]

أنواع الرأي العام

يصعب إيجاد تصنيف واحد للرأي العام٬ فهناك من يصنفه حسب الزمن فيقول رأي عام ثابت ومتغير ودائم ومستمر ومؤقت ويومي[8]. وهناك من يصنفه إلى شخصي أي فردي و جماعي عام علما أن الجماعي ما هو إلا آراء  فردية وشخصية ، كما أن هناك من يصنفه حسب النوع فيصنفه إلى ثلاثة أنواع٬ رأي عام قائد ورأي عام مستنير ورأي منقاد و تابع[9]….و يبقى التصنيف الأكثر واقعية٬ التصنيف الذي يعتمد النطاق أو المجال الجغرافي فنقول :

رأي عام محلي  : يتبنى قضية محلية مثل قضية تتعلق بالإقليم أو الجهة.

رأي عام وطني  : يتبنى قضية وطنية مثل قضية الصحراء بالنسبة للمغرب .

رأي عام إقليمي : يتبنى قضية إقليمية كالعالم العربي و القضية الفلسطينية.

رأي عام عالمي أو دولي : يتبنى قضية ذات وقع عالمي كالإرهاب٬ الصراع العربي الاسرائيلي ، السلاح النووي .

أهميتــــه :

ازدادت أهمية الرأي العام بعد قيام الثورات الصناعية و ظهور التجمعات السكانية الكبرى و بفضل انتشار التعليم و أساليب التواصل و قيم الديمقراطية و الحريات العامة كالحق في الإضراب و التظاهر والاحتجاج٬ فلم تعد الحكومات قادرة على تجاهله بعد أن أصبح يشكل قوة ضغط٬ لها دورها في التأثير على السياسات فمثلا في أمريكا نجده قد نجح في فرض قوانين قبلتها المكونة منهزمة كقانون واجنر[10] سنة 1935 *٬ مثلما نجح  في ايقاف حرب فيتنام و إقالة الرئيس نيكسون بعد فضيحة ووترغيت.

وعموما يمكن إجمال أهميته في :

  • دعم مؤسسات الدولة سواء كانت تنفيذية أومنتخبة أوقضائية أومجتمع مدني أو مواجهتها.
  • المساهمة في اقتراح قوانين أو تعديلها أو إلغائها.
  • توجيه المجتمع و تحديد مسارات السياسات العامة.
  • وجود دليل على تمتع الشعوب بحرية التعبير والديمقراطية والحق في الاختلاف.
  • ضمير المجتمع و حارس قيمه و ثوابته و الحريص على تماسكه و الدفاع عنه.
  • تنمية الوعي وتعزيز المشاركة الديمقراطية و تشجيع الاهتمام بالشأن العام.

انطلاقا من هذه الأهمية سعت الحكومات إلى السيطرة على وسائل الإعلام وجعلها تحت السيطرة على أساس أن وسائل الإعلام هي المسؤولة بالدرجة الأولى على تكوين الرأي العام وتأطيره و تكوينه. يقول نابليون بونابرت : اعطيني ثلاث صحف……

تأثير الاعلام على الرأي العام.

تكوينه و توجيهه :

إن كانت للإشاعة والمحادثة والمظاهرات دور كبير في تكوين الرأي العام٬ فإن الدور الأكبر يلعبه الإعلام ووسائله الجماهيرية٬ مثل الصحافة و الراديو و التلفاز٬ لأنها تنجح في إيصال المعلومة و الخبر إلى أكبر قدر ممكن من الجماهير٬ فبواسطتها يمكن مخاطبة الشعوب و دغدغة عواطفها و دفعها نحو توجه معين. و نظرا لأهميتها في هذا التأثير والتأطير، لم تستطع أية حكومة التخلي عنها أو العيش بدونها. وهذا ما يفسر إسراع القائمين بالانقلابات إلى الإذاعات والمحطات التلفزيونية للسيطرة عليها بغية تمرير خطابات ورسائل للرأي العام قصد نيل تعاطفه.

فوسائل الإعلام هي وسائل التخاطب بين السلطة والشعب٬ بواسطتها يوصل الحاكمون خطاباتهم وأخبارهم و عبرها سيكتشفون ما يقوله الناس عنهم و كيف يتقلبون قراراتهم . يقول والتر ليبمان في كتابه “رأي عام”  الصادر بنيويورك عام 1922 :” إنه بإمكان وسائل الإعلام أن تصنع الحقيقة لأن الحقيقة٬ هي ما يجري و ما يجري هو صنع وسائل الإعلام “[11].

لم يبالغ والتر ليبمان حين زعم: أن الإعلام هو المسؤول عن كل ما يقع ، سواء من خلال توجيهه للشعب أو من خلال خضوع المسؤولين لسلطة هذا الإعلام . فالإعلام هو الذي يشهر الأحداث و يخلق منها مواضيع ذات أهمية و هو الذي يصنع النجوم في كل المجالات٬ إذ إن الرأي العام في غالب الأحيان يبدو مستسلما لما يقدمه الإعلام وذلك لأن الأفراد لا يستقون معلوماتهم إلا من وسائل الإعلام، لدرجة أن الفرد لا يمتلك حتى القدرة على التشكيك فما يقوله هذا الإعلام. يقول إبراهيم إمام :” إن الاعلام ليس مجرد إعطاء معلومات ومعارف وإنما المقصود هو عملية تغيير اتجاهات وتحريك الجماعات للعمل في اتجاه معين لتحقيق الأهداف المرجوة، وبعبارة أخرى فإن وسائل الأعلام تبلور صورة المستقبل ، صورة قادرة على دفع الإنسان لعمل ما يجب عمله، وقادرة على تغيير البنيان الأخلاقي للمجتمع “[12].

لقد بسطت وسائل الإعلام الجماهيرية منذ بداية القرن العشرين سيطرتها على الشعوب، و لعل التاريخ يذكر كم كان تأثير البرافدة الروسية واسعا على الجماهير في روسيا حين كانت تبيع حوالي مليون نسخة يوميا ، و كم كان تأثير إذاعة لندن وفضائيات أمريكا و صوت العرب بالقاهرة فعالا وفاعلا في وقت من الأوقات .فإذا ما افترضنا أن وسيلة الإعلام تمرر رسالة لشخص وهذا الشخص بفعل اتصالاته المباشرة مع الآخرين ينجح في تمرير الرسالة٬ نفسها عرفنا أهمية وسائل الإعلام في الوصول إلى الجمهور والتأثير عليه وعلى قراراته. فالراديو و التلفزة و الصحافة باعتبارها وسائل إعلام تقليدية تستمد قوتها من كونها جماهيرية تستهدف عددا كبيرا من المستمعين والمشاهدين والقراء و أن جماهيرها تعتبرها مصادرها المثلى للمعلومة والحقيقة، و من هنا كان بمقدورها تحفيز الناس وتوحيد رؤارهم وتخفيف حدة التباين والاختلاف٬ فهي و بالرغم من دورها الترفيهي تبقى من أكثر الوسائل تأثيرا على الرأي العام وتكوينا له، لأنها في غالب الأحيان تتناول قضايا سياسية راهنة و مواضيع اجتماعية أو رياضية أو اقتصادية تحظى باهتمام شعبي و جماهيري…

وسائل الاعلام الجديدة والرأي العام

إذا قلنا أن للوسائل التقليدية دور رهيب في صنع الرأي العام٬ فإنه بمستطاعنا أن نؤكد أن هذا الدور تضاعف وبشكل مخيف مع عصر الانترنت وثورة المعلومات وما نتج عنه من ظهور لمواقع التواصل الاجتماعية كالفايس بوك والتويتر والانستغرام …لأنها تستطيع الوصول إلى ما لم يستطع الإعلام التقليدي الوصول إليه ٬حيث صار بمقدور ملايير الأشخاص متابعة الأخبار بالصوت والصورة و بسرعة خيالية وفي نفس الوقت ناهيك عن صعوبة فرض قيود وحواجز على هذه الوسائط الحديثة مما ضاعف من حجم الحرية في تناول المواضيع و التغليق عليها و الاتصال بالآخرين٬ و تبادل الأفكار معهم .. فإذا كان من قبل من الممكن التحكم في وسائل الإعلام ووضعها تحت السيطرة ، فإنه أصبح الآن من المستحيل فرض نفس الرقابة على هذه الوسائل التي ألغيت معها الحدود و ضاعت فيها خيوط التحكم. وهذا ما جعل أهمية الرأي  العام تزداد خطورة، إذ صار بمقدوره التدخل في سن القوانين والمشاريع و انتقاد السلطات و فضح القائمين عليها و توجيه قرارات الحكومات والشعوب على السواء. فالجميع يعلم كيف نجحت وسائل الإعلام هاته في تكوين رأي عام وتوجيهه حتى أسقط رؤساء وحكومات كما وقع خلال الربيع العربي في كل من تونس و ليبيا و مصر واليمن. وكيف ساهمت صورة الطفل السوري إيلان غريقا على شاطئ البحر في تكوين رأي عام عالمي ضغط على حكوماته لتغيير موقفها من أزمة اللاجئين. و التي ما كانت لتقبل لولا قوة وسائل الإعلام الجماهيرية و انفتاحها على عدد لا محدود من المواطنين. وهذا ما أشار إليه إبراهيم إمام بكون وسائل الإعلام تبلور صورة المستقبل٬ صورة قادرة على دفع الإنسان لعمل ما يجب أن يعمله، وقادرة على تغيير البنيان الأخلاقي للمجتمع بمعنى أنه يمكن تجميع كل وظائف الإعلام و حصرها في تكوين المجتمع و بالتالي تكوين الرأي العام خاصة إذا علمنا أن الجمهور المطلع المتتبع يسهل عليه تكوين رأي سليم٬ ثابت و قوي أما  الجمهور غير المتعلم وغير المتتبع وغير المطلع فيكون فريسة سهلة الانقياد للإشاعة والانفعال الطارئ ما يجعل الرأي أحيانا أخرى أشد خطورة.

وتستمد وسائل الإعلام الجديدة، وبالأخص وسائل التواصل الاجتماعي قوتها مما تتميز به من تفاعلية ومشاركة ، عكس الوسائل التقليدية التي كانت تدفع الرسالة الاعلامية في اتجاه واحد. فالمتلقي في الاعلام الجديد ليس متلقيا فحسب ، بل هو متلق ومنتج للأخبار في الوقت نفسه، يتلقى الرسالة ويعلق عليهان ويمكنه تقاسمها بعد إغنائها والإضافة إليها. لقد نجحت وسائل الاعلام الجديدة في هدم الحدود بين الصحفي والمنتج والمتلقي الدين باتوا يتبادلون الأدوار، مما جعل المتلقي يخرج من حياده ويصبح مشاركا ومساهما في العملية الاعلامية، فالمتلقي وبعد مطالبته برد فعل يحس بقيمته وأهميته، مما يضطره الى أن يكون جزءا من الرأي العام من خلاله استدراجه ودفعه لتبني رأي معين أو رفضه ، فامتلاك المتلقي لوسيلة اعلامية يدفع الفرد للرغبة في موقعة نفسه ضمن الراي العام من خلال تبني موقف محدد بحيث يتحول من متلق الى فاعل أو قائم بالفعل. يقول هوارد رينغولد : ” إن الهواتف كان لها تأثير عميق في الثقافات والمجتمعات التي تستخدم فيها مما أدى إلى خلق ما يسمى بالغوغاء الذكية”[13]، بمعنى أن وسائل التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا المعلوميات الجديدة قد وفرت منبرا مثاليا لمن لا منبر له ، الشيء الدي مكن الجميع من تتبع الشأن العام والمشاركة فيه، مع ما في ذلك من تأثير على الرأي العام والمشاركة السياسية. وهذا ما يشير يقول بيمبر Bimber   حين يقول :” إن البنية المشبعة بالمعلومات والمرتبطة بتكنولوجيا المعلومات ووسائل الاعلام الجديدة ، تشكل ثورة المعلومات الرابعة ولديها انعكاسات  مهمة على الممارسة السياسية”[14].

تشكيله :

تطرقت نظرية دوامة الصمت  لإليزابيت نيومان لكيفية تشكل الرأي العام حين وضحت أنه ينشأ انطلاقا من تصارع وجهتي نظر مختلفتين أو متناقضتين ، حيث يميل الذين يظنون أنهم على صواب إلى إبداء رأيهم ، عكس الذين يظنون أنهم أقلية والذين يميلون الى كتم أرائهم والتزام الهدوء، وبعدما يتكلم بعض الناس ويسكت الآخرون تبدأ عملية لولبية تزيد من حجم رأي على الآخر حتى يصبح رأيا سائدا ، فيصمت أصحاب الرأي المعارض ويسطو الرأي السائد وهكذا يصبح رأيا عاما..

ونظرية دوامة الصمت هاته لا ترى أن وسائل الاعلام تعكس الرأي العام فقط ، بل تشكله[15].

تضليله :

لقد تعمدنا إحداث هذا الباب و بهذا العنوان لنشوش عن تلك الصورة الوردية التي رسمناها عن  الإعلام ودوره الرائد في صنع الرأي العام. وبالتالي في الدفع بالتغيير من خلال التعلم و توسيع نطاق الحوار وتغذية قنوات التواصل ورفع معنويات الجماهير وما شابه ذاك من الأحلام و اليوتيوبيا. لأن الإعلام لا يصنع رأيا عاما مثاليا في جل الأحيان ، بل يقدم في الغالب الأعم ما يعمد إلى تضليله وتغليطه، و بالتالي دفعه إلى ارتكاب جرائم في حق أشخاص و مجتمعات من خلال تشويه صورهم وفضحهم و تدمير حياتهم، خاصة إذا استهدف أشخاصا غير متعلمين٬أميين منقادين. فهذا الإعلام الذي يكون الرأي العام هو نفسه الذي يؤلبه على أشخاص ذنبهم الوحيد أنهم وجدوا أنفسهم في مواجهة مدافع وسائل الإعلام المغرضة، وهذا النمط من الإعلام السلبي الموجه ٬غالبا ما تلجأ إليه الدول والسلطات لمواجهة خصومها بتسليط إعلامها عليهم وتضليل الرأي العام حول قضيتهم٬ كما تلجأ إليه للترويج لسياستها من أجل تبرير الفضائح والقسوة في ممارساتها، و هو ما أشار إليه نعوم تشومسكي في فصل بعنوان ” الإنجازات الهائلة للبروباغندا “[16].حيث أشار إلى تركيز الحكومات الأمريكية على تضليل الرأي العام الذي يسميه ( بالقطيع ) لأن مسؤوليه لا يعتبرونه سوى قطيع . ذاكرا عدة حالات عرفها التاريخ الأمريكي كتأليب الرأي العام الأمريكي من خلال وسائل الإعلام على الشعب الألماني وتضليل الشعب الأمريكي من خلال تقديمه للجيش العراقي كجيش خطير يمتلك أسلحة دمار شامل و أن صدام حسين يستطيع احتلال أمريكا في حين أنه لا يمتلك إلا جيشا من الفلاحين[17] حسب تعبير تشومسكي.

فالتضليل لا يعتمد استعمال حملات إعلامية كاذبة وإنما كذلك في تقديم معلومات مغلوطة من خلال الترويج للكذب كما في أحد المقررات المدرسية حيث طرح سؤال عن عدد القتلى في فيتنام ؟ و كان السؤال مرفوقا باحتمالات إذ لم يتجاوز العدد المحتمل الأكبر سوى 100 ألف قتيل….والحقيقة أن عدد القتلى هو ثلاثة ملايين….نفس هذا التضليل الإعلامي تكرر مع بن لادن و أحداث 11 شتنبر٬ حيث نجحت وسائل الإعلام في تحويل الشعب الأمريكي إلى مصاب برهاب الإسلاموفوبيا و الداعم للحرب على أفغانستان و العراق والسودان . وبالتالي مستسلما لقرارات حكامه غير قادر على انتقادها. وفي هذا السياق ما يقوم به الإعلام الغربي والاسرائيلي حيث نجح في تحويل الشعب الفلسطيني لدى الرأي العام العالمي إلى شعب ظالم ومعتدي ، وقد كانت غولدا مايير تقول : ” يمكننا أن نسامح العرب على قتلهم أطفالنا ، لكن لا يمكننا أن نصفح عنهم لإجبارهم إيانا على قتل أطفالهم .”[18]

أساليب التضليل :

إن تضليل الرأي العام يعتمد على أساليب كثيرة أبرزها

_ إخفاء الحقيقة  والتعتيم عليها وطمسها بالأكاذيب.

_ افتعال الأزمات ولفت الأنظار لأشياء تافهة لإلهاء الرأي العام.

_ الإشاعة و التحريف والكذب والتشويه وقلب الصورة.

_التهويل والتضخيم والتخويف.

_ التهوين والتقليل والاستهزاء والسخرية.

_ الإثارة والدعاية والحرب النفسية.

_التجاهل والتنكير .

_ التماهي معه وتمويهه.

خاتمة

وفيها سنتطرق لجوانب القصور في الرأي العام،  والتي من أبرزها أنه يتأثر بوسائل الإعلام والتي غالبا ما تكون مضللة وغير موضوعية…و تسعى لتأطير الشارع لأغراض أيديولوجية خطيرة….يقول تشومسكي: ” صورة العالم التي تقدم للجمهور أبعد ما تكون عن الحقيقة٬ و حقيقية الأمر عادة ما يتم دفنها تحت طبقة وراء طبقة من الأكاذيب “[19].

نفس المنحى نحاه الباحث المغربي محمد شكري سلام في وجهة نظر تقلل من أهمية الرأي العام وتعتبر ما يقال ” تضخيما لسلطة الرأي العام خاصة في الأحداث السياسية والوقائع الفضائحية٬ حيث يتم الاحتكام إلى الرأي العام استثناءا في قاعدة العلاقة بين الحاكم و المحكوم و الحال أن الرأي العام غير متجانس٬ غير جاهز وغير مطلق  فهو متبعثر مكتسب ونسبي “[20] .

لقد اعتمد شكري سلام في نظرته هاته على تأثير الأيديولوجية على وسائل الإعلام وفق ما أسماه المصالح السياسية والاقتصادية بالإضافة إلى ارتفاع نسب الأمية والجهل، لأنه في هذه العوامل يتم تشكيل الرأي العام بمعنى أن الطبقة السياسية تساهم في تشكيل الرأي العام و تتدخل فيه من خلال تحكمها في وسائل الأعلام . يقول : ” إن الرأي العام من دون ذاكره لأنه غير تحليلي و لا نقدي “[21] مستندا في رؤيته هاته على نفي بيير بورديو وجود رأي عام واحد و تأكيده على وجود آراء عامة متمحورة حول مصالح فئوية و طبقية محددة[22]. فالرأي العام إشهاري، لأنه يقوم على مجموع أحكام و تقييمات وقع إشهارها، كما أنه خلف التماسك الظاهر لمقولة الرأي العام تكمن هشاشة عامة متنقلة وحربائية تتحرك وفق المصلحة الآنية. وبناء عليه، وحسب الباحث، يبقى الرأي عام  بلا أهمية لأنه خاضع دائما لسيادة الإشهارإشهار الموافق و الآراء ….

 

مراجع البحث

 

إبراهيم إمام : الإعلام والاتصال بالجماهير ،  مكتبة الانجلو مصرية ، ط2 ،  القاهرة ، 1998، ص: 431.

آرثر أسا بيرغر : وسائل العلام والمجتمع ، ت خليل أبو إصبع ، عالم المعرفة ، ع 386،الكويث ، 2012.

كامل خورشيد : مدخل الى الرأي العام ، دار المسيرة للطباعة والنشر ، العراق ، 2013 ، ص 82.

ليا ليفرو: وسائل الاعلام الجديدة ، البديلة والناشطة ، ت هبة ربيع، المركز القومي للترجمة ، القاهرة،  2016،

محمد شكري سلام : “ثورة الاعلام والاتصالات من الايديولوجيا الى الميديولوجيا”، عالم الفكر ،م32،ع 1، 2003 ،

نعوم تشومسكي : السيطرة على الإعلام ، تعريب أميمة ع اللطيف ، مكتبة الشروق الدولية ، القاهرة ، 2003.

نيقولا ماكيافيلي:  كتاب الأمير : ، تر زكريا مومن، مكتبة ابن سينا ، القاهرة ، 2004،

يحيى يحياوي : في الاعلام والسياسة والاخلاق، مشورات عكاظ ، الرباط ، 2015،  ص 24.

Pierre Bourdieu ;Questions de Sociologie ;Minuit ;Paris ;1980 ;p :222 ;235

Leonard w Dob : Public opinion and propagande ;Archon books ;1966 ;p 35

دراسة متاحة على الموقع       http :droit2.edu.lb(polycops)course.

 [1]  كتاب الأمير : نيقولا ماكيافيلي، تر زكريا مومن، مكتبة ابن سينا ، القاهرة ، 2004، ص 20ـ22ـ55.

[2]     دراسة متاحة على الموقع       http :droit2.edu.lb(polycops)course. PDF p :23

[3]      دراسة متاحة على الموقع       http :droit2.edu.lb(polycops)course. PDF p :23

[4] Leonard w Dob : Public opinion and propagande ;Archon books ;1966 ;p 35.

[5]دراسة متاحة على الموقع       http :droit2.edu.lb(polycops)course. PDF p :23

[6]       دراسة متاحة على الموقع       http :droit2.edu.lb(polycops)course. PDF p :23

[7] يحيى يحياوي : في الاعلام والسياسة والاخلاق، مشورات عكاظ ، الرباط ، 2015،  ص 24.

[8]   كامل خورشيد : مدخل الى الرأي العام ، دار المسيرة للطباعة والنشر ، العراق ، 2013 ، ص 82.

[9]  كامل خورشيد : مدخل الى الراي العام ، ص 82.

  * نصر تشريعي عمالي يضمن لهم التنظيم

. نعوم تشومسكي : السيطرة على الإعلام ، تعريب أميمة ع اللطيف ، مكتبة الشروق الدولية ، القاهرة ، 2003. ص :13. [10]

[11]    دراسة متاحة على الموقع       http :droit2.edu.lb(polycops)course. PDF p :23

[12] إبراهيم إمام : الإعلام والاتصال بالجماهير ، ط2 ، ص: 431

[13]  آرثر أسا بيرغر : وسائل العلام والمجتمع ، ت خليل أبو إصبع ، عالم المعرفة ، ع 386،الكويث ، ص 124.

 ليا ليفرو: وسائل الاعلام الجديدة ، البديلة والناشطة ، ت هبة ربيع، المركز القومي للترجمة ، القاهرة،  2016،ص 177، [14]

[15] آرثر أسا بيرغر : وسائل العلام والمجتمع ، ت خليل أبو إصبع ، عالم المعرفة ، ع 386،الكويث ، ص 237.

[16]  نعوم تشومسكي : السيطرة على الإعلام ، تعريب أميمة ع اللطيف ، مكتبة الشروق الدولية ، القاهرة ، 2003 ،

[17]  نعوم تشومسكي : السيطرة على الإعلام ، ص : 34.

[18] http :ar.m.wikipedia.org.من أعترافات جولدا مائير

[19]  نعوم تشومسكي : السيطرة على الإعلام ، ص : 20

[20]  محمد شكري سلام : “ثورة الاعلام والاتصالات من الايديولوجيا الى الميديولوجيا”، عالم الفكر ،م32،ع 1، 2003 ، ص: 91.

[21] محمد شكري سلام : “ثورة الاعلام والاتصالات من الايديولوجيا الى الميديولوجيا”، ، ص: 92.

[22]  Pierre Bourdieu ;Questions de Sociologie ;Minuit ;Paris ;1980 ;p :222 ;235

الوسوم
اظهر المزيد

مواضيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: