أوراق إعلاميةفي الواجهة

أثر الإعلام على اللغة العربية: بين إكراهات العمل وتطوير الأسلوب

أثر الإعلام على اللغة العربية: بين إكراهات العمل وتطوير الأسلوب

الإعلامي – أوراق إعلامية

عبداللطيف بن الطالب

عبد اللطيف بن الطالب

أخطاء نحوية وصرفية، أداء وإلقاء ضعيفان، وطغيان للحديث باللهجات المحلية، تلك بعض من خصائص الاعلام حاليا في القنوات الناطقة بالعربية خصوصا في الدول العربية. دول لغتها الرسمية هي العربية بيد ان الاعلام  صار مهتما بطرق اخرى لجذب الاهتمام والتواصل على حساب فصاحة اللغة، أمام انتشار القنوات الاعلامية التجارية او الباحثة عن الأرباح، على حساب الرسالة الاعلامية والخدمة العمومية.

ثنائية اللغة والاعلام تكبر يوما عن يوم، وجدليتها تنبني اساسا على تأثير الاول في الثاني والعكس صحيح. قوة الاعلام من قوة اللغة، لأن الاعلام يصنع الرأي العام. واللغة مثل الكائن الحي تضعف وتتدهور، كما تتقوى حسب البيئة التي توجد فيها . فاللغة ذات وهوية، وما من حضارة بشرية قامت من دون نهضة لغة. و”الاعلام هوأكثر الانشطة الاجتماعية استخداما للغة، منطوقة كانت او مكتوبة. لذا تقع على لغة الاعلام مسؤولية النهوض بالاداء اللغوي للمجتمع ككل.  وكما يمكن ان يفيد الاعلام اللغة ويعمل على توحيد استخدامها، يمكن لهذا الاعلام –إن قصد التزييف والتمويه- أن يضر باللغة أشد الضرر.فأكثرما يضر اللغة كما يقول جورج اورويل هوعدم الاخلاص”.[1]

غير أن تدهور اللغة في وسائل الاعلام بات يشكل عقبة فكرية وهوياتية في العديد من الدول، “إن التضحية باستخدام اللغة العربية الفصحى في وسائل اعلامنا يعني نسف احدى الدعامات القليلة الباقية في وحدتنا الثقافية، وما يجب علينا ان نفعله هو العكس تماما. ونقصد بذلك استخدام وسائل الاعلام لتسهيل استخدام الفصحى في حياتنا اليومية.إن الاعلام داخل مجتمعاتنا العربية يمكن ان يقوم بدور “حصان طروادة” لتخليص العربية من ازدواجية الفصحى والعامية يتطلب ذلك خطة مدروسة متدرجة المراحل، يشترك في وضعها الكتاب واللغويون والتربويون وعلماء النفس.” [2]

“يقول النقاد: ان النثر الصحفي يقف في منتصف الطريق بين النثر الفني أي لغة الادب، وبين النثر العادي أي لغة التخاطب اليومي.له من النثر العادي ألفته وسهولته وشعبيته، وله من الادب حظه من التفكير وحظه من عذوبة التعبير.ولعله انطلاقا من ذلك المفهوم للنثر العلمي، اطلق بعض اساتذة الصحافة على لغة الصحافة بانها الادب العاجل.”[3]

تمثل اللغة كيانا حاضرا بقوة في أي مجتمع، فهي روح الامة وجدانيا، وووعاء فكرها ثقافيا، وتمثل حدودها الجغرافية سياسيا، ما يعني انها احدى أسس هوية الشخصية والوطن. وقديما قال أحد الفلاسفة: “تكلم حتى أراك”. فمن الكلام يتبين مستوى المتحدث وفكره ورقيه.  حضور اللغة العربية في وسائل الاعلام كبير منذ نشأة الاعلام على امتداد جغرافيا الدول العربية مع وجود وسائل اعلام تنشر وتبث خارجها سواء باوروبا او بامريكا، ومرت اللغة الاعلامية من مراحل مهمة لم تعد كما في القرن التاسع عشر او العشرين، بل قد يرى البعض اختلاف لغة اليوم عن الأمس.

في المغرب كبقية البلدان ذات دستور يرسم اللغة العربية، نجد حضور الفصحى في الاعلام من خلال النشرات الاخبارية وبعض البرامج الوثائقية. كما نجد اللهجة المغربية في العديد من البرامج والمسلسلات والاشهارات أو الاعلانات.  بيد أن حضور اللغة العربية الفصحى في الاعلام بكافة انواعه صار يعرف تراجعا على حساب اللهجات المحلية. وذلك بارز في التلفزيون عبر البرامج والمسلسلات وكذا في الاذاعة.أما الصحافة المكتوبة والالكترونية فبدورها تتخلى يوما عن يوم عن العربية الفصحى إما في العناوين او المصطلحات او الاشهارات.

التساؤل الكبير هو أين يقتصر دور الصحفي في علاقة اللغة بالاعلام؟ لأن دوره الاول هو الإخبار والتوعية والتثقيف والترفيه، دور تواصلي بمعنى أن الاهم هو بلوغ الهدف وتلقي المادة الاعلامية بشكل واضح ومفهوم من طرف المتلقي، ولا يضير ان كانت اللغة عامية لأن هدف البرنامج تحقق بالتواصل الجماهيري. أم إن من ادوار الصحفي ايضا الرقي بمستوى الجمهور الفكري والمعرفي واللغوي؟

“تشير دراسات لغوية عديدة الى ان لغة تلاميذ المراحل الاولى من التعليم هي مزيج مما يسمعونه في الاذاعة والتلفزيون، وفي الحديث اليومي، وكذلك في المؤسسة التعليمية، وبذلك لم تعد تحتكر عملية اثراء الرصيد اللغوي للتلميذ”.[4]

خطورة الاعلام لا يمكن انكارها فقد يهدم ما تبنيه المدرسة والاسرة في لحظات.”من المؤكد أن التخلف التعليمي،جعل اللغة العربية غريبة في محيطها، وغريبة لدى ابنائها، مما دفع المعنيين بأمر التلفاز في البحث عن صيغة لغوية، تنزل بالرسالة الى مستوى امية الجمهور دون ان تعمل على تطويره وترقيته الى مصاف المتعلمين القادرين على فك رموز اللغة العربية، إن هذه الصيغة اعتبرت جزءا من حل سهل يركز على التعامل مع العامية الدارجة،وفي هذا تكريس لواقع الأمية، وتهميش للغة العربية الفصحى.”[5]

لا يكاد يمر يوم من انصاتنا لوسيلة اعلام ما إلا ونكتشف بعض الاخطاء لدى صحفييها او مذيعيها، ما يبرز بعض المشاكل التي تعاني منها اللغة العربية في وسائط الاعلام مثل الاخطاء النحوية، استخدام الفاظ اجنبية وطغيان اللهجات المحلية في البرامج والاعلانات، ليس نطقا فقط بل حتى كتابة . وكذلك اخطاء في مخارج الحروف مثل الحروف المعجمة كالثاء والذال والظاء،وعدم نطق الاعداد بالفصحى.

انعكاسات اللغة على الاعلام ليست سلبية فقط، بل ثمة ايجابيات للاعلام على اللغة، مثل المباشرة في الخطاب والوضوح في الفكرة دون حشو او جمل ثقيلة الصور. إضافة إلى الجاذبية والاختصار. لغة الاعلام اليوم تتجاوز النخبوية والمتخصصة الى الفئات العريضة من المجتمع والجمهور، وبذلك سميت الوسائط الاعلامية بوسائل الاتصال الجماهيري. لأن لغته بعيدةعن التعقيد والمصطلحات المعقدة، وقريبة الى كل المستويات التعليمية ببساطتها وسهولة فهمها. جمل وفقرات قصيرة تسهل عملية الفهم وتبسط المعلومات المعقدة.

“حين ننظر في لغة الاعلام التي نستعملها اليوم في الاتصال بالجماهير، نجد انها لغة مباشرة تصل الى الهدف الذي نقصده بطريقة فورية. وتنصب عليه متجنبة اختيار الايحاءات الجمالية والفنية للالفاظ ولايثارها هذه البساطة والمباشرة، فانها تتخلى بالتدريج عن العبارات المنتخبة والانماط المحفوظة المتوارثة التي يعافيها الذهن ولا يؤيدها روح المعاصرة.”[6] كما “تمتاز هذه اللغة الاعلامية : لغة الاتصال بالجماهير ايضا، بالمرونة والقدرة على الحركة، فهي لغة حركية وهذه الصفة تتمثل في استيعابها لمنجزات الحضارة وروح العلم، وهذه المرونة هي التي تكسبها جمالها والجمال شرط اساسي لاي لغة. على أن اللغة الاعلامية العربية تؤثر الافصاح في التعبير عن ذلك كله تارة بالتنقيب في مكانز اللغة عن الكلمات العربية التي تدل من قريب او بعيد على ما طرأ من المسميات مادية كانت او معنوية، وتارة باستحداث الفاظ وصيغ من المادة العربية الصميمة تسد الحاجة الى التعبير الحضاري في حياتنا الراهنة.”[7]

بذلك اسهم الاعلام وحاول البحث عن كلمات جديدة بدل الدخيلة، وتركيب واعادة تركيب اللغة مثل مصطلحات :افرو اسيوي/الاشعة فوق البنفسجية ، اوعلم + علم مثل : قمة ترامب-ماكرون.

إن مكانة اللغة العربية في الاعلام تتطلب مجهودات كبيرة للرقي بها امام الاكراهات التي تعترضها، ما يتحتم على اساتذة اللغة ومجمع اللغة العربية بشراكة مع مؤسسات الاعلام الدفع بها نحو تطويرها ممارسة، ومن ذلك ضرورة وجود مدققين ومصححين لغويين في المؤسسات الاعلامية ، فالكثير منها تفتقد هذه الوظيفة. تنظيم دورات تكوينية للصحفيين في اللغة وقواعدها واصدار كتيبات تبين الاخطاء الشائعة. كما يمكن ادراج مادة اللغة في مقررات مراكز ومعاهد التكوين الصحفي. من ذلك ايضا الاجتهاد في ايجاد مصطلحات بديلة للدخيلة والاجنبية وتنظيم مسابقات لاجمل وافضل التقارير على المستوى اللغوي خصوصا أن من الاجناس الصحفية ما يمتاز بتقنيات في الكتابة مثل الربورطاج والبورتري، فالربورطاج يتطلب من الصحفي الالمام بالوصف والسرد.ما يتحتم عليه التزود بلغة ثرية وجيدة المعاني والاسلوب.

 

-/-/-/-/-/-/

 

[1] ص 378 د.نبيل علي : الثقافة العربية وعصر المعلومات رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي.عالم المعرفة 265 يناير 2001

[2] ص 379 المصدر نفسه

[3] ص60   الارتقاء بالعربية في وسائل الاعلام.نورالدين بليبل.كتاب الامة عدد84.الطبعة 1.2001.قطر الدوحة.

[4] ص 78 المصدر السابق

[5]  ص35 محمد طلال: مقال اللغة العربية في الاذاعة والتلفاز والفضائيات في المملكة المغربية.مجلة الفرقان عدد77 2016.

[6]  ص96 عبدالعزيز شرف: العربية لغة الاعلام.دار الرفاعي .الرياض.السعودية.الطبعة الثانية 2000

[7]  ص102 المصدر نفسه

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: