الثقافي و الفني

23:17

حول ملتقى القدرات الخاصة بمصر

خطاب المصلحة.. ما علاقة الظاهرة الحزبية بالصحافة المكتوبة؟!

21 مارس 2018 - 10:30 ص فواصل , في الواجهة

خطاب المصلحة.. ما علاقة الظاهرة الحزبية بالصحافة المكتوبة؟!

الإعلامي – فواصل

ذ. حسن اليوسفي المغاري

من المؤكد أن دراسة مضمون خطاب أي صحيفة حزبية سيؤدي حتما إلى دراسة مضمون الخطاب والفكر والإيديولوجيا السياسية، إن توفرت، للحزب الذي يسهر على إصدار الصحيفة. وبالتالي يكون عنصر الاستقلالية والموضوعية غير وارد، الأمر الذي يؤكد مدى ارتباط هذه الصحيفة أو تلك بالتوجهات الفكرية والسياسية الحزبية الضيقة التي غالبا ما يكون لها الأثر السلبي في بعض الأحيان على عملية التواصل داخل إطار عمل إعلامي خال من كل نزعة سياسية حزبية.

إن الرسالة الإعلامية رسالة نبيلة، وتبليغها في مثل هذه الظروف يبقى في حدود ضيقة وصعبة التحقق. وبالتالي يكون المتلقي، الشخص العادي أمام كومة من الأفكار والنظريات الموجهة فكريا وسياسيا، والتي تبقى في الأخير متداولة بين فئة معينة من المتحزبين الحاملين لهذا الشعار أو لتلك النظرية. وتبقى الصحيفة، لاعتبارها المنتج الإعلامي، بمثابة دعاية فقط لا صلة له بالدور الإعلامي المنوط به. بل والأكثر من ذلك خصوصا في أيام الحملات الدعائية الانتخابية، بحيث أن الصحيفة تصبح عبارة عن مكبر صوت وصورة لأفراد الحزب لا غير.

عندما نتحدث عن الصحافة الحزبية، يكون من اللازم ربطها بمحيطها الذي تتفاعل معه، أي بالمؤسسة التي تنتمي إليها، وبالتالي يكون ظهور هذه الصحافة مرتبطا ارتباطا وثيقا بظهور الأحزاب السياسية

لذلك فإن علاقة الظاهرة الحزبية بالصحافة الوطنية، علاقة ذات خلفيات ظاهرة وباطنة. علاقة

لا يمكن الجزم بأنها سليمة من أي توجه فكري؛ وبالتالي تكون إلزامية الخوض في محركات الممارسة الصحفية ضرورية، والبحث في الجوانب المختلفة لهذه الممارسة، سواء كانت خفية أو مضمرة، فهي أكثر إلزامية وأكثر حتمية.

إن دراسة الخطاب الإعلامي السياسي للصحافة الوطنية الحزبية، يُستشف من خلال دراسة مضمون وتحليل الخطاب، ولعل المضمون يكون واضحا وجليا بطريقة مباشرة من خلال بعض الأعمدة الثابتة، أو غير المباشرة من داخل بعض الصفحات التي تكرس التوجه السياسي الذي ينبني عليه الحزب الكفيل بهذه الجريدة أو بتلك المجلة. فعندما نتحدث عن الصحافة الحزبية، يكون من اللازم ربطها بمحيطها الذي تتفاعل معه، أي بالمؤسسة التي تنتمي إليها، وبالتالي يكون ظهور هذه الصحافة مرتبطا ارتباطا وثيقا بظهور الأحزاب السياسية أو في بعض الأحيان ببعض المركزيات النقابية التي غالبا ما تكون هي الأخرى مرتبطة بالحزب السياسي.

الجريدة كمنبر إعلامي سياسي للحزب
عرفت الظاهرة السياسية الحزبية المغربية منذ السنوات الأولى للاستقلال تصنيفا ميز فيما بينها، الأمر الذي جعل منها أحزابا محافظة وأخرى تقدمية، أو أحزاب يمينية وأحزاب يسارية. منها من تتبنى إيديولوجية محافظة، مثل حزب الاستقلال الذي أصدر منذ البداية صحفا باللغة العربية وأخرى باللغة الفرنسية، ثم حزب الشورى والاستقلال الذي أصدر بدوره صحفا كانت أبرزها جريدة الرأي العام الصادرة سنة 1947. إضافة إلى أحزاب سياسية أخرى لم تختلف عن ضرورة إصدار صحف باسمها.

ومن الأحزاب أيضا من تتبنى إيديولوجية تقدمية مثل الحزب الشيوعي المغربي الذي أضحى فيما بعد حزب التحرر والاشتراكية ثم التقدم والاشتراكية والذي أصدر عددا من الصحف كانت معظمها صحفا سرية، وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بجريدة التحرير الصادرة سنة 1959 والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ثم حزب منظمة العمل الديمقراطي الشعبي بإصداره لجريدة “أنوال” الصادرة بتاريخ 15 نوفمبر 1979.

أما حديثا فهناك بعض الأحزاب الأخرى التي سميت في مرحلة سياسية بالأحزاب الإدارية. كل هذه الأحزاب عرفت صدور جرائد باسمها التي كانت المنبر الإعلامي الناطق باسمها. ومما لا شك فيه أن جريدة العلم وجريدة الاتحاد الاشتراكي الناطقتان على التوالي باسم حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تعتبران لفترة طويلة من التاريخ السياسي الحديث للمغرب، رائدتا العمل الصحفي وقاطرة الصحف الوطنية الحزبية المغربية، ولعل ذلك راجع بالضرورة إلى عدة اعتبارات، منها ما هو تاريخي ومنها ما هو سياسي.

ولا يخفى على أي دارس للمشهد السياسي المغربي في ارتباطه بالمشهد الإعلامي، بأن تاريخ جريدة حزب الاستقلال، العلم، يعود من حيث النشأة إلى سنة 1946، أي سبعون عاما من العمل الصحفي، ولعل في طول هذه المدة يمكن القول بأن لجريدة “العلم” تجربة صحفية يمكن الجزم بأنها رائدة في المغرب.

أما بالنسبة لجريدة الاتحاد الاشتراكي، فرغم حداثتها بالمقارنة مع زميلتها العلم، فهي تعتبر امتدادا لصحف تقدمية سبق أن وُجدت في الساحة الإعلامية من قبل، من مثل جريدة التحرير والمحرر.

عرفت جريدة الاتحاد الاشتراكي الظهور رسميا في الساحة الإعلامية المغربية في يوم 14 مايو 1983، وجاءت بعد الحظر الذي فُرض على صحافة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لتكون استمرارا أو امتدادا لجريدة المحرر. وقد جاء في عددها الأول، “قرر عزم حزبنا أن نصدر ابتداء من اليوم وبصورة مؤقتة الاتحاد الاشتراكي لتكون المعبر بلغتنا النضالية المعهودة عن كفاحاتنا وكفاحات الجماهير الشعبية. فجريدة الاتحاد الاشتراكي سوف تخاطب مناضلي حزبنا وكافة القراء بنفس اللسان المعبر عن مواقف منظمتنا الصامدة، فمرحبا بجريدة الاتحاد الاشتراكي التي تتعهد أن تسير على منوال المحرر.

أما فيما يخص جريدة العلم، فبحكم الفكر الإيديولوجي الاستقلالي التعادلي الذي سارت عليه منذ بداياتها الأولى، استطاعت أن ترسخ الفكر التعادلي الذي يرتكز أساسا على الإسلام بحكم أن الحزب نفسه نشأ وانبثق في مناخ إسلامي، والإسلام الذي ترتكز عليه التعادلية الاستقلالية هو الإسلام السلفي الذي يعتبر مدخلا لتحرير الإنسان المغربي من كل أصناف التبعية ومن كل منابع الخضوع، كما جاء في كتاب عبد الكريم غلاب المعنون بالفكر التقدمي في الإيديولوجية التعادلية.

يمكن الجزم بأن كل الصحف الحزبية هي بمثابة لسان حال أحزابها، تعمل من أجل مصلحة الحزب ومن أجل إبراز توجهاته الفكرية

من هنا تبدو تجليات التعادلية الاستقلالية التي تستند على أن الحكم يبقى في خدمة المجتمع إذ أنها تجعل السلطة وسيلة والمجتمع هدفا. ومن ثم فهي تبحث عن ديمقراطية للمجتمع.
ولعل هذا الخط الذي رسمه بدون شك زعيم حزب الاستقلال علال الفاسي يبدو وكأنه تقليد يعتمد بالأساس على مسائل الفكر عموما، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، عبد الكريم غلاب “الفكر التقدمي في الإيديولوجية التعادلية”. وبهذا كله يظهر جليا النهج الذي يتبعه حزب الاستقلال من خلال جريدته بحكم أنه يعتبر الإعلام “وسيلة تربية وتثقيف وتوجيه إسلامي وسياسي للدفاع عن كيان الدولة ووحدتها.

فانطلاقا من كل ما سبق، لن يبقى هناك شك في أن الجريدة الحزبية في المغرب تعتبر بمثابة المنبر الإعلامي السياسي الذي يخدم الحزب ويعبر عن مواقفه، ولذلك يمكن الجزم بأن كل الصحف الحزبية هي بمثابة لسان حال أحزابها، تعمل من أجل مصلحة الحزب ومن أجل إبراز توجهاته الفكرية، ناسية أو متناسية الدور الإعلامي المهم والخطير الذي يجب أن تقوم به، سواء تعلق الأمر بالإخبار أو بالتوجيه والتأطير من أجل تكوين المواقف، ثم التعليم والتثقيف من أجل المساهمة في خلق جيل واع بمسؤولياته اتجاه مجتمعه ووطنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *