الوطني

13:22

مدرسة المواطنة..

بمراكش، لبابة  لعلج تعرض جديد تجربتها الإبداعية بالمعرض الدولي التشكيلي

2 يوليو 2018 - 9:44 م الثقافي و الفني , في الواجهة

بمراكش، لبابة  لعلج تعرض جديد تجربتها الإبداعية بالمعرض الدولي التشكيلي 

الثقافي والفني

تحت شعار “ثقافة وصحة”  ،تتواصل في رحاب المسرح الملكي إلى غاية 5 يوليوز الجاري وقائع المعرض الدولي التشكيلي المقام بمبادرة من طرف جمعية فنون النخيل للثقافة والتضامن بشراكة مع جمعية اليد في اليد للنهوض بالمرأة ، وجمعية مشعل الشباب للرياضة والتنمية، والاتحاد الوطني لنساء المغرب بجهة مراكش آسفي، وجمعية لبابة للتنمية والتواصل، وتعاونية آرت ديزاين مراكش ، وذلك بمشاركة عدد وازنمن الفنانات والفنانين التشكيلين من داخل المغرب وخارجه. هذا وقد انفردت فعالياتهذا الحدث الفني الدولي بعرض اللوحة التعبيرية الموحية “النجمة وعشاقها” للفنانةالتشكيلية المغربية المقتدرة  لبابة لعلج(تعيش وتعمل بالدار البيضاء).

حرصت الفنانة التشكيلية والمثقفة لبابة  لعلج  على تأثيث فضاءات تصويرية متجددةالخصوبة البصرية، مفصحة عن بوح اختزالي وشذري عبر إيحاءات المادة وتداعياتالزمن. فهذه المبدعة التي تجرب أدواتها باستمرار تقترح على أنظارنا كتابة تشكيليةجديدة تحتفي بأبجديات الحياة ومقاومة الإثبات، في ضوء تعبير إيجازي يرتضيالاقتصاد في توظيف المواد  الصباغية  على خلفيات عذرية تؤرخ للأزمنة المتعاقبة. توحي اللوحات  بالرغبات في الحياة والولادات المتجددة وهي تقتحم الأراضي الممتدةوالمتداخلة.

لبابة تدرك جيدا مدى فلسفة المقاومة وجغرافيات الولادات، فهي تنشد على طريقةالقصائد الملحمية بلاغة الكيانات المنبعثة، وتعيد صياغتها على امتداد فضاءات مبنينةوفق لعبة الأشكال الاختزالية وقساوة مشاهد تخييلية تجعل بلغة بول كلي اللامرئيمرئيا. تمارس لوحات لبابة بإحساس مفرط سلطة بصرية على متلقيها الفعليين، فهيتنهض كمتاهات بصرية وكعوالم ممتدة بلا ضفاف. كل لوحة بمثابة شذرة تصويرية تنمعن قريحة هذه الفنانة المعرفية والشعرية في آن معا. توحي كل لمسة غرافيكية بميلادشيء أو بموته على شكل جدلي، فهي كناية عن حضور أو عن غياب. إنها، أيضا،جذر الظواهر الطبيعية والبشرية التي تشي بالبعد الخفي للوجود الإنساني في أبهىتجلياته.أعمال لبابة ضاربة في الزمن السحيق ومتجذرة في أماكن لا تعرف الهويةالعمياء.

في البدء كان الأثرهذا الأثر البصري بكل تشكيلاته وإبدالاته هو التيمة التشكيليةالتي يتأسس عليها صرح التعبيرية الجديدة لدى لبابة. فالأثر هو الخلفية الجماليةوالوجودية التي تمثل لازمة الألوان والأشكال والمواد وتشكل جوهر النصوص البصريةوالأبجديات التصويرية التي تتماهى مع المادة فوق السند القماشي . فكل الآثار التيتحتضنها فضاءات اللوحة مرسومة بشكل تلقائي، تذكرنا  بخربشات الطفولةوتداعيات اللاوعيلا وجود لآثار مبصومة  عن طريق النماذج المسكوكة. كل الآثارالبصرية للفنانة لبابة كتابة إنسانية وشذرية للأثر الذي يمارس على المخيال البصريسلطة المحو وعنف المتخيل. ألسنا في حضرة الكتابة الأثرية التي تحدث عنه بإسهابالباحث جاك كودي في مؤلفه المرجعي «العقل الغرافيكي»؟

في مقام هذه الذاكرة الصباغية الجديدة، يتأسس الخطاب البصري على تشكيلالحياة في صورة  الأبجديات ات الأولى للكتابة  و صرخات الولادات المتوالية .إننابصدد منطق طائر الفينق وروح الاشتغال البرومثيوسي، الذي خبر كيمياء الناروكشف عن أسرارها الأبدية معلما هيراقليطس بأن النار هي أصل الوجود وملكوتكائناته وأشيائه.

هكذا، ستخلص لبابة، في صمت وبدون إدعاء، لغواية بحثها التشكيلي المعمق،مشتغلة على العابر والمنسي والمكبوت في ضوء خطاب صباغي  فاتن: تراكيب صباغيةتشغل جغرافية اللوحة، وأحيانا تخترق مساحات سندها، مختزلة هواجس الفنانةالفردية والجماعية ومفصحة عن حاجاتها الداخلية التي تحول، على إيقاع النيرانالخفية والمعلنة، كل شكل إلى أثر. إن الفنانة لبابة في هذه التجربة الصباغية الجديدة ترسم كما تكتب ، مذكرة المولعين بطقوس الحداثة التشكيلية بتعبير بول كليأننكتب أو نصور هذا أمر واحد في نهاية المطاف». ألا تدعونا لبابة إلى التفكير فيالتصوير الصباغي بطريقة أخرى؟

في سياقاتها التشكيلية، تتفاعل السنائد والمواد وتضفي طابعا سحريا على المساحةوالفضاءكل لوحة هي تجربة بصرية تشتغل على جدلية الموت والحياة، أقصد جدليةالغياب والحضور، ملتزمة بمبدأ الاختزال والبساطة بالمفهوم العميق للكلمتين. جرأةإبداعية لافتة، خلفية معرفية رصينة، سهل ممتنع، تلقائية مفرطة وحس جنيني بكيمياءالمواد والتخطيطات: كلها مدارات بصرية تتأسس، في منطق انشغالها الجمالي، علىالاختزالية (القليل للتعبير عن الكثير). ألم يقل الفنان الفرنسي بيير سولاج في الفن،كلما  كانت الوسائل قليلة كلما زاد التعبير قوة»؟

إذا كان اللون هو الذي يتملك بول كلي وأصبح معه ذاتا واحدة، فإن الأثر هو الذييتملك لبابة ويدفع بها نحو اكتشاف الجذر خارج كل واقعية وصفية أو تصويريةحسية. يالها من لحظة نشوء وارتقاء، تتجاوز بكثير ميتافيزيقا الفراغ من خلال مشهدةمعالمه التي تضفي على اللوحة امتلاء ورمزية خالصة، آتية من بعيد  وفق نظاممسترسل لا قيد له ولا شرط.

تعرض لبابة على لوحات الوجود مصير الكائنات الحية والأشياء في حضورها المجردوفي أصل تكوينها. فكان الأثر بكل بنياته وإبدالاته شاهدا على حاستها الفنيةورؤيتها الجمالية والمعرفية للعالم. إنه التمظهر الطبيعي والتجسيد المادي لكينونةالإنسان وصراعها ضد أشكال الإبادة والإقصاء والحروب المادية والرمزية. فالفنانة   تقف أمام الحياة وقفة طفل متيقظ يترصد تحولات وجوده العام بعين الدهشة الأولى. هل علينا أن نعترف بأنها تكتب  تشكيليا القصيدة الأصلية التي تحدث عنها باقتضابالباحث عبد الفتاح كيليطو والمرتبطة بالفقد والغياب والموت (لسان آدم). ألا تفكرنالوحات لبابة بأرض الخراب لدى الشاعر إليوت وبالأرض التي شربت الدم، ثم افتقرتوصارت عقيما.

ترسم لبابة الرحلة في الزمن، منساقة مع رغبتها الجارفة لمعرفة ذاكرة البشريةواستقصاء قوانين صيرورتها على نحو جمالي وأيقوني في الآن ذاته. هذه الرحلةالذهنية والتخييلية هي نزوعها البصري الحقيقي، تنضاف إلى الرحلة في المكانوتضاعيف أنساقه الإيحائية. يخيل إلي وأنا أعاود مشاهدة أعمال لبابة وكأنني أقرأبيانا تشكيليا يشجب مكر التاريخ وانحرافه ويعري الفكر المتوحش للإنسانية المعاصرةالتي تحولت معها الكائنات البشرية إلى مجرد وحدات عددية وإشارات ترميزية وأشلاءبدون هوية.

عصام فيصل

كاتب  وإعلامي

 

المبدعة لبابة لعلج إلى جانب لوحتها “النجمة وعشاقها”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *