الوطني

13:22

مدرسة المواطنة..

ستالين ماكدونالدز..

17 يونيو 2018 - 9:18 م تدوينات مختارة , في الواجهة

ستالين مكدونالدز..

تدوينات مختارة

يونس الخراشي – روسيا

يقف تمثال ستالين، وهو على صهوة جواده، على مدخل الساحة الحمراء في موسكو. الآلاف يتوافدون كل لحظة ليتلسموا لحظات فارقة في التاريخ. يعيشوا جزءا من ماض رهيب ومهيب في آن. شاهدين بأنفسهم على أن العالم يدور ويتغير. فالساحة التي كانت عز الشيوعية، وبساط الاستعراضات العسكرية، وحيث الكريملين، هي هي تستقبلهم من كل العالم. من كل الدول التي كانت تعادي الاتحاد السوفياتي، ويبادلها العداء بأخطر منه.

قبل الوصول إلى مدخل الساحة ينتبه الغريب إلى أن هناك بعض الأدراج تفضي إلى “مول كبير” تحت أرضي. يدلف إليه طالبا الأكل. فيكتشف، يا لمكر التاريخ، كل المحلات الأمريكية، بعلاماتها التجارية تتراقص هنا وهناك. ويرى الناس من مختلف الأجناس والألوان والألسن، يسرحون ويمرحون. يحفهم الرخام من كل جانب، علامة على تاريخ صارم جدا، صنع أبطاله أشياء كثيرة، ليست كلها تستحق التنويه.

هذه موسكو اليوم. تعض عمرانا على تراثها القيصري والشيوعي بالنواجذ. ولكنها تتجه نحو المستقبل بسرعة بوتينية، ودون أي توجس. فتشعر بها مبهرة بضخامة البنيان، وشساعة الشوارع، ودقة البناء، وفنية الزخارف. وتحس، من أناسها، ولباسهم المتحرر، ورغبتهم الكبيرة في الحياة. وبين هذا وذلك، تبدو لك ماضية في الطريق، لم تضيع هويتها، ولم تترنح. فالسيارة الأوروبية مع الآسيوية مع الروسية جنبا إلى جنب. مثل الجماهير التي جاءت تشجع منتخباتها في المونديال. غير أن أرضية الملعب موسكوفية، حمراء.

حملنا إلى الساحة ميترو الأنفاق، بسرعته الجنونية الكبيرة. وأفضى بنا مخرجه إلى شارع واسع جدا. يشبه نهرا في غابة رواقية، أشجارها الضخمة عبارة عن بنايات رائعة الجمال. معمارها يتصف بالصرامة في مواده، وبالسحر في شكله. النوافذ كثيرة وكبيرة في آن. هناك حاجة إلى الضوء. وفي الأفق تظهر بناية قرمزية، بصوامع ماضية في الضمور. كلها من الطوب. يقف تحتها تمثال ستالين، وعيناه على الناس، الذين يتوافدون بالآلاف.

ومع أن الزمن هو زمن كأس العالم، والمكان هو الأهم في روسيا كلها، فلم نحس بأن هناك طوقا أمنيا مثلما كان عليه الأمر ونحن في ريو ديجانيرو، قبل عامين، لتغطية الألعاب الأولمبية. بل إن المشي كان سلسا للغاية. وسط حشود غفيرة. كلها تتجه رأسا إلى الساحة الحمراء. بعضها يحتفي بعلم البلد، والقميص الوطني. والأغلب يستمتع بما حوله من حياة متجددة، بفسيفساء تلقائية من الوجوه والموسيقى والرقصات، والفرح.

لا تحرش ها هنا. لا جمل على الجدران تقول لك “لا تتبول على هذا الحائط”، أو “ممنوع رمي الأزبال”. فكأنك في أطلس يخص العاصمة الروسية. يقلب أحدهم أوراقه، فيما أنت تمشي، وتقلب النظر بين بناية وأخرى، وزخرف وآخر، وتمثال وآخر، وحديقة وأخرى تضاهيها أو تفوقها جمالا، وكرسي من الرخام ينسيك في الذي راقك قبل قليل، حتى كدت تلتقط له صورة. ولا تنتهي الصفحات إلا لتبدأ. مدهشة، ومذهلة.

وحين ينتهي بك المطاف في نفق الميترو، بعد أن تنزل الأدراج المتحركة ثمانين مترا تحت الأرض، تكتشف أنك ما تزال في الأطلس. فهناك سقف مزخرف بهدوء المعلمين “الحرايفية” القدماء، ورخام ملون وأبيض؛ منحوت وبسيط. وهناك أقواس بفتولى وأخرى رقيقة. وهناك “ثريات” تزين السقف. بل هناك أيضا تماثيل ونقوش على الجدران. وهناك قطارات قديمة جدا، ولكنك حين تركبها تمضي بسرعة البرق.

ولئن كان صوت الميترو وهو يتحرك، مثل خيول جامحة، في النفق، يصدر صوتا مزعجا، فإن الموسكوفيين بداخله يراقبون الوضع بهدوء مثير. فما أن تقع العيون على العيون حتى يبتسمون، مرحبين بهؤلاء الذين جاؤوا من أنحاء العالم، يملأون دنياهم، ويشغلون بالهم بالجديد. لا يتكلمون إلا لماما، وبخاصة إن تعلق الأمر بطلب مساعدة. فذلك واجب مقدس عندهم. لربما تنافسوا عليه، حتى يحرجوك بسباقهم حول من يفوز بمساعدتك.

قال أحدهم:”هذه القطارات قديمة. تشبه تلك التي ظلت تظهر في أفلام الحرب العالمية الثانية”. ورد عليه أحدهم:”لا يمكن أن يكون كل هذا الذي شاهدناه ونشاهده أنشئ بين عشية وضحاها. هذا عمل جبار. تطلب وقتا طويلا للتفكير والتطبيق. هناك معالم تدل على أصحابها. لم يتركوا شيئا للصدفة. والآن يبهرون العالم”. ووافقه الأول، وهو يقول:”إذا كان أوروبيون التقيناهم يؤكدون أن الصورة التي رسمت لروسيا في مخيلتهم ليست صحيحة منذ الآن، فماذا عسانا نقول نحن؟”.

بالفعل، فقد أكد أحدهم، زار روسيا سنة 2004، أنها تغيرت تماما. قال لنا إنها تقدمت بسرعة. أضافت الكثير إلى المعالم القيصرية والشيوعية؛ الستالينية أساسا. صارت مبهرة. وراح يقارن في كل مرة بين زيارته السابقة وزيارة اليوم. ويستعمل يديه ليدل على أن هناك واقعا جديدا. ويتساءل:”ترى إذا بقيت روسيا تمضي بهذه السرعة، وبهذا التوجه، فكيف ستصبح بعد عشر سنوات من الآن؟”.

لم يستطع أحدنا أن يجد الجواب. أو لنقل إن أيا منا لم يملك تخيل الوضع المفترض. ذلك أن الواقع الآن مذهل. فأنى لنا بتصور ما قد يكون في استمر كل هذا التطور، مسنودا ببنية تحتية صلبة لا تقهر. خرجنا من النفق باتجاه الفندق. طريقنا محفوفة بالأشجار. وبدت شابة صغيرة تمشي بمفردها؛ فلا خوف ولا توجس. وتمر السيارات مسرعة، وكلما ترجل أحدنا من فوق الطوار، فرمل السائق، حتى يمر الراجل. يا للقانون في بلد المتخلقين به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *