تدوينات مختارة

21:18

ستالين ماكدونالدز..

تدوينات مختارة

16:43

الأدب الروسي

تدوينات مختارة

14:19

حسن اليوسفي: غذاؤنا مُلوّث

لحبيب المصطفى: وسقط القناع

4 مارس 2018 - 6:12 م في الواجهة , كتاب وآراء

وسقط القناع

الإعلامي – كتاب وآراء

بقلم : لحبيب المصطفى

إن أغلى أمنية تؤرق مضاجع العجائز المتصابيات، الوجوه القبيحة التي جعلت أجسادها مرتعا لمشارط أطباء التجميل، تغير في ملامحها وتسوي بعض الاختلالات الناتجة عن الصدأ والتعفن والترهل، هو التخلص من كاتم وحامل سر الأقنعة الجميلة التي ترتديها فوق حقيقتها المسخة المتفسخة، فالمُجَمًل هو الشخص الوحيد الذي يعلم بخفايا الجسم المهترئ، وبعبقريته في مجال الصباغة وصناعة الخلفيات الخادعة، يعيد إنتاج السلع الفاسدة المنتهية الصلاحية بقالب جديد براق ماكر لتسويق الوهم وضخ دماء زائفة باردة في أشباه موميات محنطة مهربة من متاحف التاريخ القديم.

وتعد مهنة تجميل الوجوه المتسخة وإعادة ترتيب قبحها وشد تجاعيد وترهلات ذمامتها من أكثر المهن طلبا وذرا للدخل المادي، ولكن أصحابها من أتعس خلق الله قاطبة، لعلمهم المسبق أنهم أكثر الأشخاص الغير المرغوب في وجودهم، فبمجرد اقتناع المسخ بشكله ولوكه الجديد حتى يسعى لتدبير مكيدة ماكرة يبتز بها حامل سره وصانع قناعه ليضمن سكوته ويشتري ولاءه الكاذب.

لقد امتهن هذه الحرفة النشاز عبر التاريخ بشقيه القديم والحديث كثير من كهنة المعابد تجار الدين، الأبواق التي تلوي أعناق النصوص وتجعل المقدس في خدمة المدنس، تُنزل الله تعالى من عليائه ليشهد مراسيم طقوس تعميد ظله في الأرض، ومثلهم من المثقفين سدنة بيوت الدعارة السياسية والإعلامية، الدكاكين المتزاحمة لترويج المتلاشيات، بائعو الوهم وصانعو السراب، وضعفهم من المنبطحين المرتزقة ملتقطي الفتات من موائد أسيادهم، الناعقين مع كل ناعق، وأخيرا وليس آخرا الجوقة المُطبلة التي تملأ الميادين وتردد الصلوات المسبحة بحمد وشكر جلادها، وتقي نفسها من تأثير زخات غيث الحرية ونسيم الديمقراطية بمظلات العبودية.


بالأمس القريب وبعد الموت السريري لمعظم الأنظمة الشمولية الفاسدة المهترئة المتحللة، وخوفا من موجة غضب شعبي بدأت تتعاظم قد تجرف الخفيف والثقيل وتحرق الأخضر واليابس، وهروبا إلى الأمام سارعت بعض هذه الأنظمة للاستعانة بخدمات مخزونها مما صنعته في وقت الرخاء من أشباه المناضلين ووضعتهم في مجمدات خاصة لوقت الحاجة والضرورة، تجنبا للاصطدام مع الغاضبين في الشوارع، وأطلقت العنان لكثير من الكتائب لتنشيط الزفة والتغزل في محاسن العروس العانس وتزيينها بمسوح البراءة والعفة والجمال ووصمها بالمخلص المبعوث رحمة من السماء ليحول حياة الناس من شقاء إلى نعيم، الأكذوبة الكبرى، والقناع الذي شارك كل المجملون من محترفين وهواة ومرتزقة في وضع لمسات على لوكه الخاص، ليتفرد عن بقية المسوخ بجاذبية أخاذة تأسر لب أكثر المارقين تشددا وتعيد إلى بيت الطاعة أغلب الناشزين، وتجعل الناقمين يقطعون أيديهم ويقول لسان حالهم ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم، داعب الوجه البريء الجميل أحلام اليقظة لذى الشعوب المتعبة المتهالكة، وسرى المخدر في أوصال العقول والقلوب.

مرت الأيام تباعا تلحقها الشهور والسنون، هدأت العاصفة الهوجاء، وعادت حليمة إلى عادتها القديمة، فالطبع يغلب التطبع ومن شب على شيء شاب عليه، أمسى وجود أشباه المناضلين الذين استحلوا الكراسي الوثيرة والتعويضات المالية المسيلة للعاب عبئا ثقيلا على مربعات صانعي القرار، وتحضرني في هذا المقام القصة التي جعلت مروضي الثعابين لا تثق في ولائها، وتتخلص من كل ثعبان أمسى فاقد المردودية أو منتهي الصلاحية، والقصة تتلخص كلها في كلمة واحدة قالها قيصر روما لما أثخنت جسده سيوف ثعابينه المروضة والتفت وراءه ليجد بين قاتليه أقرب مقربيه فقال والأسى يملأ قلبه الجريح : “حتى أنت يا بروست”.

لم تجد هذه القيادات أحسن من صانعي أقنعة مُدَجَّنيهم لإزالة هذا المسخ، فهم من صنعها وركبها وهم أدرى بتفكيكها، فالمشرط الذي شد التجاعيد وأزال القبح، باستطاعته إعادة الذمامة، والأبواق والأقلام التي قرضت المديح وأظهرت المحاسن جاء الدور على فضح المستور وكشف العيوب ونشر الغسيل المتسخ.
استجاب من رغب أن لا يخرج من النعيم إلى الجحيم ومن خبر بالأمس حياة الأقبية والدهاليز المظلمة في ضيافة ديمقراطيات فريدة من نوعها، وانهار السقف مع الاسف فوق رؤوس المجملين الذين عافوا مهنة تركيب وتفكيك وإعادة تدوير الأقنعة.

التعليقات

  1. مقال يؤشر على الوضع العام في العالم العربي والخاص في المغرب غلبة الاسلوب المجازي الغني بالتعاببر الانشاءية والايحاءات ابدعت حظ موفق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *