تدوينات مختارة

21:18

ستالين ماكدونالدز..

تدوينات مختارة

16:43

الأدب الروسي

تدوينات مختارة

14:19

حسن اليوسفي: غذاؤنا مُلوّث

طلحة جبريل: بين الشارعين

1 مارس 2018 - 9:56 ص تدوينات مختارة , في الواجهة

بين الشارعين

الإعلامي – تدوينات مختارة

طلحة جبريل

.. في زمن مضى كان “الشارع” هو وسط الرباط
على الرغم من أن “الشارع” في الواقع هما ” شارع محمد الخامس” و “شارع علال بن عبدالله”، لكن الوصف المتداول بين الناس هو  ” الشارع”. إذ قلت “الشارع” سيعني ذلك “محمد الخامس ” و ” علال بن عبدالله”. ما تبقى تفاصيل. كان الشارعان هما رائحة الرباط ومذاقها. كانت الرائحة خليطاً من القهوة والثوم والعطور والخبز الساخن.
كانت الرباط هي “الشارع” وفيه السياسة والصحافة والإدارة، والمغرب المصغر.

الرباط مدينة تجعلك تعيش باستمرار مع نبض المغرب السياسي. لكن حين تحول الزمان، ولم يعد الشارع هو الشارع، أصبحت “السياسة” وقفات احتجاج ومظاهرات تنظم بين الفينة والأخرى، لكن لم يعد لها التأثير الذي كان.
هكذا لم يعد وسط الرباط في وسطها. حكاية أقرب ما تكون إلى الأحاجي والألغاز، لكن ذلك ما حدث.
انتقل “وسط الرباط” إلى أمكنة أخرى.
بعض الناس يقولون إنه تحول إلى “أكدال”، بعضهم يقولون بل هو انتقل إلى “الرياض” .
المؤكد أن وسط المدينة لم يعد في مكانه.
البنايات في الشارعين هرمت وشاخت. “الفضاءات”، أي الأمكنة، كما يقول كتاب القصة القصيرة، لم تعد هي تلك “الفضاءات”. المقاهي “التاريخية” اندثرت.
“باليما” أصبحت مساحة إسمنتية باردة، وأشجاراً شائخة، وقططاً ضالة.
لم يعد هناك كتاب وصحافيون ومسرحيون وتشكيليون وفنانون ومخبرون ومتسولون ومتسولات.
وتائهون وتائهات.
مبنى” التلغراف والبوستة والتليفون” بات حكاية أخرى. أصبحت “ساحة البريد” مكاناً يتجمع فيه المحتجون، ومنها ينطلقون نحو ساحة البرلمان، يهتفون ويصرخون ويمارسون لعبة القط والفأر مع قوات الأمن.
قاعات السينما مثل أطلال خولة.
أكشاك الصحف على قلتها تفرش بضاعتها على الأرض. يشتكي الباعة في الشارعين من عزوف الناس عن القراءة. المارة يقرؤون العناوين، ثم يعودون إلى هواتفهم الذكية يطالعون شاشاتها، وعوالمها الزرقاء والخضراء والحمراء.

انقرضت مآرب السيارات في “علال بن عبدالله”.

الصحف والصحافيون هاجروا من الشارع، وتفرقوا في الأصقاع. محامون وأطباء ومحاسبون كانت مكاتبهم تعج بالزبناء في بنايات الشارعين، لم تبق إلا لوحاتهم النحاسية الصدئة.

لم يعد هناك سياح يذرعون الشارع صعوداً وهبوطاً. مكتب شركة الطيران تحول إلى متجر ملابس. شركات تأجير السيارات باتت مكاتب لوسطاء العقار.
على الرغم من كل التغييرات التي حدثت، بقى مصورو الشارع في مكانهم. بين الحمام والمصورين عقد غير مكتوب.
عشب الشارع يخضر ويصفر. يجلس عليه متنزهون تارة، ومحتجون تارة أخرى. حين يرفع شباب شعارات غاضبة في لحظات غضب، يترك الحمام الساحة، يطير إلى اللامكان. يلتقط الحمام الحب باطمئنان. إذا كان جائعاً يلتقط حبات الذرة حتى من أكف الناس.
أناس يتمشون وسط الحمام.
حمام يهرول وسط الأرجل.
الحمام يلتقط الحب.
يصور المصور طفلاً يركض وسط العشب أو قرب النافورة.
يبني الحمام أعشاشه في شرفات البنايات القريبة.
هناك يبيض وتكبر صغاره. الصغار عندما يغادرون العش لا يعودون إليه.
وحده الحمام لم يهجر الشارع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *